"وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"

تم نشره في الخميس 19 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي

بين الله سبحانه في آية جامعة ما حرمه على الإنسان، فقال: "قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"، بدأ بالفواحش ظاهرها وباطنها، مما يعلمه الناس ويجهلونه، وهي ذنوب لكن فحشها يشهرها ويسيء إلى دائرة أوسع من مقترفها، والفواحش جزء من الإثم الذي جاء ذكره بعدها، فهو خاص جاء بعده عام، والإثم كل ما نهى الله تعالى عنه، لكنه اقترن هنا بالبغي الدال على الكبر، ثم جاء ذكر الشرك الذي هو أكبر الكبائر، فلا يستحق الألوهية والربوبية والقصد إلا الله تعالى، فلا سلطان لغيره، ولا خالق غيره، فكل من سواه مخلوق، وأنى لمخلوق أن يكون إلها يُعبَد من دون الله! وأخيرا يذكر الله ما يفتريه الناس على الله، سواء من ادعاء آلهة، أو التحليل والتحريم، وغير ذلك.
استوقفتني عبارة (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، وجاءت أكثر من مرة في السياق نفسه في سورة الأعراف، فهي عبارة عامة، يدخل فيها أيضا تلك الجرأة التي يدعي من خلالها بعض أنصاف المتعلمين معان عجيبة للنص القرآني، ما أنزل الله بها من سلطان، تخالف ما عليه المفسرون والسياق واللغة والسنة النبوية، وهنا مشكلات لا بد من توضيحها، في خضم صراع الحداثيين تلاميذ المستشرقين، وبعض مقلّديهم ممن يعشقون الثورة على التراث العلمي الإسلامي، بما فيه من تفسير لكتاب الله تعالى، وروايات السنة النبوية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابتداء، فقد حث الإسلام العقل على الإبداع، وديننا هو دين (اقرأ)، ولعلنا قلنا أكثر من مرة إن خمس القرآن تقريبا يتحدث عن قضايا وظواهر ومسائل علمية، مبثوثة في معظم سور القرآن، وما يزال العلماء يستنبطون العجائب من النص القرآني، بغض النظر عن تسميتها تفسيرا علميا، أو إعجازا علميا، فلا يهمني هنا الصراع بين مدرستين في شأن هذا التوصيف، فالعبرة بما هو دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم، والمهم أن لا نجزم بمسألة علمية أن دليلها القرآن إلا بعد التأكد، فالقرآن في النهاية كتاب هداية عامة، فيه التشريع والعلم والأخلاق والقصص وغيرها، مما هو حجة عامة على الناس.
لقد بين الله تعالى إحدى مهام النبي صلى الله عليه وسلم، وهي البيان لهذا الوحي، فقال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم، ولعلهم يتفكرون"، فهذه المهمة لم تمنع من أن يتفكر الناس أيضا ويبدعوا في فهمهم وتفكرهم للنص، ولقد جاء الحث على التدبر صريحا في قوله تعالى في موضعين من القرآن: "أفلا يتدبرون القرآن"، واختيار كلمة (التدبر) مهم حيث الغوص في النص، والذهاب إلى أبعد جهة فيه، كي يكون الاستنباط والتأمل، بل جعل الله تعالى غاية من غايات نزول القرآن هي التدبر، فقال تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبّروا آياته، وليتذكر أولو الألباب"، فالتدبر يقود إلى الهداية واليقين والاعتبار، وهي أمور لا شك مقصودة مطلوبة، على سبيل الأمة كلها، أو على الأقل من علمائها.
القرآن كتاب المسلمين ودستورهم ومعجزتهم وصراطهم المستقيم، ويتفاوت الناس في فهمه بناء على مستواهم العلمي واللغوي، ولم يقصر العلماء من زمن الصحابة حتى الآن في بيان القرآن واستنباط لآلئه ودرره، فالنص ما يزال حاثا على التفكر والتدبر، ولكن لا بد من أمور تجب مراعاتها وأنا أتدبر وأتفكر في هذا النص الإلهي المحفوظ بحفظ الله له: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، منها:
أولا: تفسير القرآن وفق الأصول العامة لهذا الدين، من توحيد ورحمة وعدل وتكريم للإنسان ومبدأ التيسر وحتمية الآخرة وسائر أركان الإيمان، فلا يمكن لشخص كائن من يكون، أن يتجرّأ على النص، أو يُقْدِم عليه بمسلّمات سابقة في ذهنه، يريد من النص أن يوافق هواه وأفكاره، ولو خالفت هذه الأصول والمبادئ العامة المطردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: لا بد في تفسير القرآن من الرجوع إلى القرآن نفسه، فالقرآن -أحيانا- يفسِّر بعضه بعضا، فقد يكون نص في موضع مجملا يفصّله موضع آخر، أو عاما ليخصصه موضع آخر، أو مطلقا فيقيده موضع آخر، أو مشكلا فيوضحه موضع آخر، وهكذا.
ثالثا: لا بد من الرجوع إلى صحيح السنة وأقوال الصحابة إن وجدت، فلم يفسر النبي صلى الله كل القرآن، بل ما احتاج إليه الصحابة في حينه، فهم أهل اللسان، وللصحابة اجتهاداتهم الثاقبة، وهم الذين شهدوا نزول القرآن، وربما أحدهم كان سببا في نزول النص، وهكذا، فلا يمكن رد السنة وأقوال الصحابة بحجة وجود الضعف في الرواية عموما، فالضعيف والموضوع من الروايات مرفوض، ويجب رده، أما ما صح وفق قواعد نقد الحديث التي قعّدها العلماء فينبغي تقبله، بل اعتماده.
رابعا: لا بد من الرجوع إلى لغة العرب ودواوين شعرها، فالقرآن بلسان عربي مبين، ولا يُفْهَم القرآن بغير لغته، ولا يجوز استحداث معان جديدة غريبة للكلمة العربية، ولا إقحام معان بناء على لغات أخرى (كالسريانية على وجه التحديد)؛ حيث حاول بعض المعاصرين تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور بناء على اللغة السريانية والعبرية، وهو أمر عجيب. واللغة غزيرة تتعدى المعنى اللغوي إلى الفصاحة والبلاغة ودقة التعبير، وكلها مما أعجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن، ولو بسورة من مثله.
خامسا: لا يجوز تحميل النص ما لا يحتمل، من المعاني والمسائل العلمية المتكلفة، بحجة أن القرآن تبيان لكل شيء، فالكلية هنا في شأن الهداية لا في عموم الأمور.
هذه أهم الأمور، وهناك غيرها، ولكن مرة أخرى لا يعني هذا تجميد العقل وإبطال إبداعه، بل لينطلق العقل ويبدع، ولكن في إطار القواعد العامة لفهمه، وإلا لقال كل واحد ما يريد، وافترى على الله، وقال على الله ما لا يعلم، وهنا يكون تمزيق الدين. وما نزال نسمع عن معان واستنباطات جديدة تزيد من انبهارنا بالقرآن وروعته، كيف لا، وهو الذي لا تفنى عجائبه، ولا يَخْلق على كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء!!

التعليق