الصراع الطبقي "الأنيق"

تم نشره في الاثنين 23 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

من أبرز الأفكار الدارجة في النقاش السياسي في البلد الآن، أن الحكومة الحالية تمثل "الشارع". وباستخدام مفردات أكثر دقة، يقال أحياناً إنها تمثل "نبض الشارع" على وجه التحديد، وهناك من يخصص أكثر فيقول إنها تمثل مُحتجي الدوار الرابع أو "شباب الرابع"... وهكذا.
إلى جانب ذلك، وفي النقاش السياسي ذاته، هناك من يصر على تمييز موجة الاحتجاج الأخيرة. ويُجري المهتمون والمعلقون مقارنات بين مختلف الاحتجاجات المعاصرة في الأردن خلال العقود الثلاثة الماضية ابتداء من العام 1989، ليصل بعضهم إلى أن احتجاج "الرابع" الأخير، كان الأهم أو الأجمل أو الأعمق أو الأكثر تأثيراً وفائدة وجدوى، بدليل أنه أنتج حكومة تمثله.
أغلب الظن، أن هذا الصنف من النقاش جديد إلى حد ما في البلد، فعلى سبيل المثال، ورغم أن حكومة زيد الرفاعي التي احتج الناس ضدها العام 1989 أقيلت بغضب واضح، مِنْ فوق ومن تحت، ثم أدينت، إلا أن أحدا لم يقل بعد ذلك إن حكومة الشريف زيد (رحمه الله) التي تشكلت بعد الاحتجاجات، هي حكومة المحتجين أو إنها تمثلهم. وقد تكرر الأمر ذاته بعد احتجاجات 2011 التي تشكلت إثرها حكومة معروف البخيت بعد استقالة حكومة سمير الرفاعي. في الحالتين اكتفى المهتمون بالقول: إن برنامج الحكومة تأثر بالاحتجاجات أو أخذها بالاعتبار.
حصل هذا، رغم أن التغيرات التي حملها العام 1989 مثلاً، كانت كبيرة وجذرية إلى درجة لا تقارن بما يحدث الآن. فحينها فُتحت كل القضايا كبيرها وصغيرها، ليس فقط للنقاش بل للتغيير الفعلي أيضاً. لقد حصلت انتخابات بعد انقطاع طويل، وأقرت قوانين جديدة، وأنهيت الأحكام العرفية، وشُرّع تشكيل الأحزاب وإنشاء الصحف وعقد الاجتماعات العامة، ومع هذا، فلم يقل أحد لا في الحكومة ولا في خارجها إن تلك الحكومة تمثل المحتجين.
والآن تعالوا نسأل اليوم: ما هو الرابع؟ وما هو "جنسه" بين الاحتجاجات؟ ولماذا تحتفي به السلطات أيضاً؟ وهل من الطبيعي أن تحتفي سلطة باحتجاج شعبي؟
لنحصل على إجابة منطقية، دعونا نسأل لماذا يحتج الناس عموماً، ثم لماذا احتج الرابع؟
إن البشر، بمن فيهم الأردنيون، يحتجون على ما يرونه نقصاً في تلبية حاجاتهم. ولكن هذه الحاجات تتسلسل في قائمة طويلة على شكل هرم مشهور عند المختصين بعلوم المجتمع والإنسان، يبتدئ من الحاجة إلى الطعام والماء والمسكن ثم الصحة والأمان والتعليم، ثم تأتي الأهداف النفسية والاجتماعية وصولا إلى الحاجة إلى تحقيق الذات والرضا والاحترام.
علينا الإقرار بأنه لا يوجد لدينا جوع أو عطش كظاهرة، وما نزال إلى حد كبير نعتمد على ما أنجزته الدولة في عقود سابقة من خدمات معقولة نسبيا في مجالات التعليم والصحة والأمن. لكن الخطورة تتمثل في الانحدار المتسارع في مستوى ونوع ودرجة الشمول في تلبية هذه الاحتياجات الرئيسية، وهناك قلق يتزايد على المستقبل يصل في بعض الأوساط والمجتمعات المحلية إلى درجة القلق على الطعام.
والآن، من هم الذين احتجوا على الرابع؟.
لقد لَخص فيديو بثته أبرز الحملات الشبابية التي بادرت للدعوة إلى الاحتجاج الإجابة عن السؤال؛ حيث يصف الفيديو المحتجين على الرابع في الأيام الأولى حرفيا بأنهم "فخمون أنيقون مرتبون في قمة الحضارة". إنه في الواقع وصف دقيق، فقد كانوا بالفعل كذلك، وقدموا مشاهد جميلة حملها الإعلام إلى العالم كله. وهم في الواقع جاؤوا من أوساط اجتماعية متنوعة، لكن يجمعهم أن احتجاجهم كان على النقص في الحاجات الواقعة في أعلى هرم الحاجات البشرية. لقد احتجوا على المساس بنمط الحياة وعلى قضايا تتعلق بالحريات وبالحقوق الشخصية. دعكم بالطبع من شعارات رفعت مثل "تسقط سلطة رأس المال" أو "إحنا أولاد الحراثين"، فهذه مجرد تنويعات.
الاستجابة الرسمية انطوت إلى حد ما على مكافأة لهؤلاء المحتجين، غير أن تلك الاستجابة لم تشمل المحتجين، فعلاً واحتمالاً، على نقص الحاجات الواقعة في قاعدة الهرم والذين يتواجدون بعيدا عن الرابع.

التعليق