البحر الطيّب

تم نشره في الجمعة 3 آب / أغسطس 2018. 12:09 صباحاً

قبل نحو عقدين من الزمن، كان ما يزال البحر ميتاً، والمنطقة المحيطة بضفته الشرقية صحراء. ولكنه تحوّل في العقدين الأخيرين إلى واحة تعج بالحياة والعمران. كما صارت الحركة فيها أشبه بخلية نحل بالمؤتمرات والمناسبات المحلية والإقليمية والدولية التي تعقد في قصر المؤتمرات والفنادق الراقية فوقها، التي أصبحت بالبحر مقصداً سياحياً عالمياً. فبالإضافة إلى مصانع وعمائر شركة البوتاس، التي تعمل لاستخراج أملاحه، صار لطين البحر ومشتقاته قيمة صحية يطلبها المواطنون والسياح والناس من مختلف أنحاء العالم. وهكذا بدا وكأن الحياة تدب في البحر الميت (1000 كم2) وأنه حي يرزق ليس له مثيل في العالم بحر أو محيط.
وبما أنه صار كذلك بعد الحياة التي بعثها فيه بما حوله من عمران، فإنه لم يعد لائقاً احتفاظه باسمه القديم: البحر الميت (Dead Sea) مما جعل الأستاذ سعيد التل وقد أبهجه ما رأى حوله من عمران وازدهار ونشاط بشري، يقترح تسميته بالبحر الطيب (Good Sea) ذي المعنيين: الحياة والجودة.
كان بعض الناس في هذه المنطقة (سورية الكبرى) وقد تقسمت بفعل اتفاقية سايكس بيكو والاستعمار البريطاني والفرنسي إلى أربع مناطق، يقولون: "نيّال (اللي) له مرقد عنزة في لبنان"، أما الآن فيقول كثيرون: "نيّال (اللي) له شقة تطل على البحر الطيب".
كلنا في الأردن صرنا متعلقين بهذا البحر الجميل، وصارت حياته تهمنا وتلهمنا، صار باستجاباته لأهدافنا الاقتصادية ورغباتنا الترويجية والثقافية والسياحية، مثل ابن مطيع لنا. صرنا نخاف أن نفقده بالتبخر الذي تزيد كميته على كمية المياه التي تصب فيه.
لا تعود هذه الخشية لتغير مناخي وإن كان هذا التغير فاعلاً، وإنما لتحويل إسرائيل المغتصِبة أيضاً لمعظم مياهه إلى النقب في أوائل ستينيات القرن الماضي. ولما فاجأ هذا التحول العرب عندما أعلنت إسرائيل عن إنجازه، تم عقد أول قمة عربية للرد عليه وعليها، ولكن السنين مضت وما تزال تمضي من دون أن يرد عليهما أحد، ويعيد للبحر الطيب زخمه، ويطيل عمره.
غير أن الأردن يجب أن لا يظل مكتوفاً، فيترك البحر يموت ثانية وأخيراً. ومن ذلك عزمه شق قناة البحرين منفرداً بين البحر الأحمر والبحر الطيب إذا لم تتفق بقية الأطراف على تنفيذ شقها.
ولعلم بعض القراء فإن ذلك ممكن هندسياً، فالبحر الطيب ينخفض بمقدار 400م تقريباً عن سطح البحر، مما يجعل المياه الساقطة من القناة عليه قوية جداً من هذا الارتفاع الكبير، وقادرة على توليد الطاقة الكهربائية التي يمكن استغلالها لتحلية المياه أيضاً، ومديمة لبقاء البحر الطيب حياً.
لكن ماذا يمكن أن يحدث -افتراضاً- لو انفجرت القناة وانشقت الأرض وتدفق البحر الأحمر على البحر الطيب؟ إذن لتحوّل الغور كله إلى بحيرة ضخمة في مستوى سطح البحر حسب قاعدة الأواني المستطرقة، ولانتهى الغور كمصدر زراعي غني دائم، ولصار على الناس التنقل بين الضفتين بالقوارب، وتعلّم صيد السمك. كما ستنتهي صناعة البوتاس والأملاح.

التعليق