الدولة المدنية في مجلة أفكار

تم نشره في الخميس 9 آب / أغسطس 2018. 11:09 مـساءً

بغياب المطبوعات الجادة المتواصل، صارت مجلة أفكار استثنائية ثلاث مرات: مرة بمواصلة وزارة الثقافة إصدارها بانتظام؛ وأخرى بجاذبيتها محتوىً وإخراجاً وشكلاً؛ وثالثة بهيئة تحريرها وبرئاسة المرحوم الكاتب والروائي العزيز جمال ناجي لها؛ واستلام الأستاذ الدكتور المستنير سمير القطامي لرئاسة التحرير.
لست هنا للحديث عن المجلة، وإنما للحديث عن موضوع قانوني ظهر في عددها (34) في حزيران 2017 بعنوان: "البناء القانوني للدولة المدنية" للأستاذ القاضي السابق د. محمود عبابنة.
شخصياً أحب الدراسات والمقالات القانونية. وقد كان لكتابات الأستاذ الدكتور محمد الحموري فيها وما يزال، عظيم الأثر علي في متابعتها، ولدرجة اقتناعي بضرورة إكساب الطلبة واكتسابهم الثقافة القانونية، لأنه لا انفكاك بين القانون والمواطن.
لقد برز مصطلح "الدولة المدنية"، وطرح للنقاش بعد صدور الورقة النقاشية الملكية السادسة، ما جعل المعنيين به سياسياً، وقانونياً، وثقافيا يدلون بدلوهم فيه، ومنهم أو من أهمهم -بعد تقاعده في القضاء- الأستاذ محمود عبابنة صاحب المقال المذكور.
يقول الأستاذ عبابنة في مقدمة مقاله: "تنشغل الساحة العربية، ومنها الأردنية بشكل خاص، بجدال لا يهدأ حول مواضيع لا ينفك بعضها عن بعض، فمن النقاش حامي الوطيس بين الأصولية والعلمانية، إلى الخيار بين الإسلام الجامع أو الدولة". ويضيف: "إن مفهوم الدول المدنية مفهوم مثالي. وربما نجد جذوره في تراثنا الإسلامي غداة إصدار الرسول -عليه الصلاة والسلام- "صحيفة المدينة" التي تساوى فيها أبناء الأمة".
إن العنصر الأساسي في الدولة المدنية، حسب الأستاذ عبابنة "إنسانية الفرد ومواطنيته في مجتمع معين، ودستور لنظام حكم مدني ديمقراطي. لا يكون الدين فيه هو المرجعية الرئيسية".
وينبهنا الكاتب إلى "تداخل مفهوم الدولة المدنية مع عدد من المفاهيم مثل: الدولة الديمقراطية، أو الدولة العلمانية، أو دولة القانون والمؤسسات... التي لم تحز إلى الآن على تعريف قانوني محدد ومتفق عليه. لكن التوافق على ملامح الدولة المدنية متيسر وقادر على استيعاب جميع هذه المفردات التي يمكن استخلاص هوية تقريبية للدولة المدنية منها، فهي الدولة المعاصرة التي يتساوى فيها المواطنون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وتخضع السلطة فيها للتداول الديمقراطي السلمي، واحترام حقوق الإنسان، وحق المواطنة، لا سيما حق المواطن في التعبير، وتكافؤ الفرص في ظل سيادة القانون على الجميع من دون استثناء، ومع فصل كامل ومتوازن لسلطات الدولة الثلاث، وضمان استقلال القضاء".
إن غاية الدولة المدنية في نظر الكاتب: "تحقيق السلم الاجتماعي، وتحقيق الرخاء والمساواة والعدالة بين أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية، والدينية، والعرقية، والاجتماعية والجندرية. يكفي أن يكون الفرد مواطناً ليتمتع بحقوقه ويقوم بواجباته، ويعرف هذا الفرد بمواطنيته لا بعشيرته، أو دينه، أو طائفته، أو عرقه، أو مركزه المالي أو الاجتماعي".
"ونجد في الدستور الأردني (1952) بذور هذه الدولة باستثناء وجود قضاء عسكري يمثل أمامه مدنيون، والخشية من تغول السلطة التنفيذية (الحكومة) على السلطتين بالقوانين المؤقتة عندما لا تتقيد الحكومة بشروطها الدستورية".
ويختم الكاتب مقاله الطويل بقوله: "إن ماراثون السعي إلى تحقيق مفهوم الدولة الحديثة ليس مستحيلاً، ولكن المشكلة تكمن بالتطبيق العملي لنصوص القانون وتجاوز مبادئ وقيم الدولة المدنية بالنصوص القانونية الرخوة، أو بالعبارات المطاطة مثل: وفق مقتضى القانون، أو: إلا بأمر قضائي، أو: ما لم يكن مخالفاً للنظام العام".

التعليق