أردوغان وترامب يلعبان الشطرنج حسب لعبة شد الحبل

تم نشره في الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصافح نظيره التركي رجب طيب اردوغان خلال لقاء في واشنطن في أيار الماضي.-(ا ف ب)

هآرتس

تسفي بارئيل   13/8/2018

في يوم الجمعة الأسود، بعد الساعة الثانية ظهرا بقليل، أنهى براك البيرق، وزير المالية والاقتصاد الجديد في تركيا (وصهر أردوغان)، الحديث في المؤتمر الصحفي الذي دعا اليه مستثمرون. البيرق وعد الحضور بأنه ينوي تطبيق خطة اقتصادية جديدة، وابقاء استقلالية البيت المركزي على حالها، وتقوية الليرة التركية. 

البيرق لا يمتاز بالخطابة الحماسية مثل صهره. مستثمرون هزوا رؤوسهم قليلا، لكن كان يبدو أن الليرة التركية كانت مستعدة لاعطائه فرصة عندما ارتفعت قليلا من الحضيض الذي هبطت اليه. ولكن في حينه وبتزامن غير صدفي ارسل دونالد ترامب تغريدته القاسية التي أعلن فيها عن مضاعفة الضرائب على استيراد الحديد والالمنيوم من تركيا، إلى نسبة تصل إلى 50 و20 في المائة على التوالي. الليرة لم تستطع الصمود في وجه الضغط الجديد، الذي كما يبدو استهدف أن يناسب الضرائب الأميركية مع سعر الليرة مقابل الدولار. وهبطت إلى مستوى 6 ليرات للدولار ومعها هبطت أيضا الاسواق العالمية.

فقط قبل يومين حاول أردوغان تشجيع المواطنين المذعورين في تركيا الذين اشتروا الدولارات بقدر ما استطاعوا. بعد خطاب حماسي آخر يوم الجمعة وتغريدة ترامب سارع أردوغان إلى الاتصال هاتفيا مع عنوان وحيد، ربما يمكنه المساعدة وهو الرئيس بوتين. المكالمة الهاتفية التي حظيت على الفور بالنشر في كل وسائل الاعلام لم تستهدف أن تضخ لخزينة تركيا روبيلات أو دولارات، بل اظهار تصميم أردوغان على تنفيذ تهديده بـ "البحث عن حلفاء واصدقاء جدد" اذا واصلت الولايات المتحدة سياستها بعدم "احترام صديقاتها القديمة"، كما كتب في مقال له في "نيويورك تايمز".

في نفس الوقت، وفد تركي رفيع المستوى عمل في واشنطن في محاولة لرأب الصدع السياسي، الذي يهدد بتدمير التحالف بين الدولتين، والذي تلقى قبل نحو اسبوع ضربة تاريخية عندما فرضت ادارة ترامب عقوبات شخصية على وزير العدل ووزير الداخلية المسؤولان حسب رأيه عن اعتقال الأميركي اندرو برونسون. 

هذه العقوبات اوضحت للوفد التركي أن الولايات المتحدة لا تنوي اطلاقا التفاوض على شروط اطلاق سراح برونسون، الذي اعتقل قبل سنتين بتهمة التعاون مع المخططين للانقلاب الفاشل الذي جرى في تموز 2016. من ناحية واشنطن، يجب على تركيا اطلاق سراحه بدون شروط وعلى الفور سوية مع معتقلين آخرين يحملون الجنسية الأميركية. الادارة أيضا ذكرت 15 آب كموعد ينتهي فيه الانذار الأميركي الذي بعده يتوقع أن تفرض الولايات المتحدة المزيد من العقوبات على تركيا.

ولكن قضية برونسون التي اثارت عاصفة ضد الرئيس ترامب، على عدم حيلته، هي فقط قمة جبل الجليد في شبكة العلاقات المسمومة التي تطورت في السنوات الاخيرة بين تركيا وأميركا. بطن تركيا مليئة على الادارة الأميركية حتى منذ عهد اوباما، التي حسب رأي أردوغان لم تسارع إلى ادانة محاولة الانقلاب العسكري، ورفضت تسليم تركيا رجل الدين فتح الله غولن الذي يقيم في بنسلفانيا والذي يتهمه أردوغان بالتخطيط للانقلاب والمبادرة اليه.

أردوغان كان على يقين من أن ترامب الذي سارع إلى تهنئته بالفوز، سيعطيه ما يريد. ولكن هذا لم يحدث. الشرخ بينهما تعمق عندما تبنى ترامب المليشيات الكردية التي انشئت في شمال سورية، واعتبرها وبحق قوة ضرورية لمحاربة داعش. كل طلبات وتهديدات أردوغان لم تساعد، وواصلت المليشيات أن تكون المرساة العسكرية الرئيسية للسياسة الأميركية في سورية. وخلال ذلك كانت تحظى بدعم مالي وعسكري، في الوقت الذي اعتبرها فيه أردوغان قوات ارهابية تنتمي لحزب العمال الكردستاني، الذي يعتبر حزبا ارهابيا في تركيا. فقط بعد غزو تركيا لسورية واحتلالها لمحافظة عفرين الكردية، توصلت تركيا وأميركا إلى تفاهمات على السيطرة في مدينة منبج، التي انسحبت منها القوات الكردية ونقلوا السيطرة لمجلس محلي تحت سيطرة الجيش السوري الحر الذي يعمل برعاية تركيا.

في الوقت الذي ما زالت فيه هذه القضية تلقي بظلها الثقيل على علاقات الدولتين، اعلنت تركيا انها ستقوم بشراء صواريخ ارض جو روسية من نوع اس400. حسب تقارير استندت إلى مصادر أميركية وتركية، فإن تركيا قد وقعت على الاتفاق الذي يصل حجمه إلى اكثر من 2.5 مليار دولار، والنظام الاول منها يتوقع تسليمه في العام 2020. 

أكثر من كون هذا القرار قرارا استراتيجيا، إلا أنه يشكل رسالة سياسية مهمة جدا تقضي بأن تركيا، العضوة في الناتو، ستكون الدولة الأولى التي ستدخل إلى منظومة قواتها نظام سلاح روسي. وبذلك من شأنها المس بقدرة التنسيق العسكري مع باقي دول الناتو. الضغط الأميركي على تركيا لالغاء الصفقة مقابل بيع صواريخ باتريوت لتركيا، لم يساعد حتى الآن. تركيا التي ترغب في إدارة لعبة مزدوجة غير معنية بالانسحاب من الناتو – وإن كان هذا أيضا سيناريو محتمل – بل تطمح إلى الاثبات بأنها ليست في جيب أي دولة عظمى، لا الأميركية ولا الروسية، ولا في جيب الاتحاد الأوروبي.

إلى كل ذلك تنضم الضربة السياسية الاخيرة التي نفذها أردوغان ضد سياسة ترامب. مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والإعلان عن فرض العقوبات الاقتصادية الجديدة، التي بدأت من هذا الشهر، أعلن أردوغان أن تركيا لن تنضم إلى هذه العقوبات. "نحن نقوم بشراء النفط من إيران بشروط سهلة وليست هناك خيارات اخرى"، أوضح وزير الخارجية التركي مبلوط تشاوشولو. 

تركيا تشتري حقا من إيران حوالي 50 في المائة من النفط الذي تستهلكه، ووقف الشراء سيجبر تركيا على زيادة كميات النفط التي تشتريها من روسيا، التي يمكنها أن تسيطر على حوالي 60 في المائة من اجمالي النفط الذي تستورده تركيا. تركيا تحرص حقا على تحسين علاقتها مع روسيا ولا سيما بعد أن تلقت منها عقوبات مؤلمة خلال 18 شهرا تقريبا، على خلفية اسقاط الطائرة الروسية في سماء تركيا في 2015. ولكن اعتماد كبير جدا على النفط الروسي ليس هو غاية أردوغان. إلا أنه الآن ازاء اصوات التفجيرات التي تحدثها العلاقات مع الولايات المتحدة فإن أردوغان من شأنه أن يرجح اكثر كفة الاعتماد على روسيا.

شبكة العلاقات هذه ربما تذكر بلعبة الشطرنج، لكن اللاعبين الرئيسيين، ترامب وأردوغان، ينقصهما الصبر و"الأنا" والمزاج المطلوبين من لاعبي الشطرنج. في نفس الوقت يوجد لهما (حتى الآن) مصالح مشتركة مهمة من شأنها في نهاية الأمر أن تؤدي إلى مصالحة.

لقد سبق لأردوغان واثبت في قضية علاقاته مع روسيا أنه في وقت الضائقة يعرف أن يعتذر ويستأنف العلاقات، مثلما أن ترامب معروف بقدرته الاستثنائية على التراجع خلال ايام عن السياسة التي قررها. ولكن المصالحة مع الولايات المتحدة ليست بديلا لخطة اقتصادية تركية يمكنها انقاذ الاقتصاد التركي من الازمة. يوجد لأردوغان، كامل الصلاحية والدعم السياسي المطلوب من اجل الإعلان عن حالة طوارئ اقتصادية، أو رفع سعر الفائدة كما يريد البنك المركزي. السؤال هو إلى أي درجة يمكنه الاعتماد على دعم الجمهور ازاء فقدان الثقة العميق تجاه الليرة. الذي يعبر عن عدم الثقة بقدرة النظام على علاج السوق.

التعليق