نادر رنتيسي

.. بنكهة الرمّان

تم نشره في الخميس 16 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

الأجواء حارة كالزيت في الصاج، وذكرت دائرة الأرصاد الجويّة في بيان مقتضب، كالبِشارة الناقصة، أنّ كتلة جافّة عبرتْ الأجواء، فبلّلي يا حبيبتي وجهي، واصغي لتتمّة النشرة، حيثُ أكدت الدائرة في توصيَتها الأخيرة أنّه يمكن لنا تحميصُ الفول السوداني على الإسفلت في ساعات الظهيرة، وصنع الشاي بالنعناع من ماء "البلديّة" فيكون لاذعاً من دون واسطة النار، لكنّها لم تقل شيئاً عن إمكانيّة أنْ أقتربَ منكِ أكثر، أكثرَ بما يكفي لعناق، لنُكمِل حباً كنّا قد بدأناه كإشاعة يمكن تصديقها في غرة نيسان الدافئة.
أيّار بدأ، وموسم الخصب ينظر إلينا مختالاً، والعشبُ بيننا طالَ حتى ضَجِرَ، والكآبة في الظهيرة واحدة من علامات شمس تعمل بكامل طاقتها. الوقتُ آخر العصر، والظلال تصعد معنا السلمَ الخشبيَّ إلى سطح الدار، هناك سأحتالُ على الوقت، وأستدرجُ العتمة إلى وراء السور، ومن أوراق التين، من حديقة المغتربين في الخليج، سأصنَعُ لكِ مروحة، وأجفِّفُ العرق عن جبهتكِ، وكالغناء الشعبيِّ، أدعوكِ للنوم الخفيف على ذراعي. جسدي من عشبٍ وماء، وجسدكِ من طائفة البرونز، والأجواء مهيأة تماماً، لكنّ النشرة الجويّة لم تقل شيئاً عن إمكانيّة أنْ نقتربَ أكثرْ، أكثرَ بما يكفي لتندِيَةِ الهواء الجاف.
أعرفُ أنَّ الجوَّ ليس شاعرياً أبداً، وأنّه متوترٌ كالباب الرجّاج لغرف الولادات القيصرية، ولا يصلح نهائياً لأيِّ محاولة لإشعال حطب السمر تحت "الشوق"، ولا أجواء مهيأة لاعترافٍ علنيِّ أو ضمنيِّ بـ"العشق"، حراماً كان أم حلالاً، فالآن في هذا الموسم الهنديِّ يقتصرُ استخدامُ حرف "الشين" في جملة معممة: "الدنيا شوب"، لكنّني أخالفُ كل أنماط الحبِّ في الكانونَيْنِ، والرباط المقدّس في شباط، وأنتظر أنْ تفيدني النشرة الجويّة بنصيحة أخرى، أنْ تفاجئني بطريقة مُبَسّطة لتحضير "الآيس كريم" بنكهة الرمّان، لكنّها لم تقل شيئاً عن إمكانية أنْ نقتربَ أكثرْ، أكثر بما يكفي ليكون "الحلال بيّنْ".
نمشي على الأسفلت الذي يؤدي إلى الشارع العام، فلا تتذمّري من حرارة الأرض، ومن الإفراط بتداول مفردة "الشوب" في أيِّ سلام أو خصام، اتخذي كلّ الاحتياطات الواجبة لتفادي ضربة مُرَكّزةً من الشّمس، أنتظر أنْ تسألي إنْ كانَ يمكن تأجيلُ الحبّ حتى يمرّ الجو العصبيّ، ويعود المنخفض الهنديُّ إلى قاعدته خفيفاً من الحِمم، وتختم المذيعة نشرة الأنباء الجويّة، بترجيح انحسار المنخفض الروسيِّ مساء اليوم، على أنْ يبقى منسوب الموت بانقطاع الحبِّ من أحد طرفيه ضمن معدّله السنويِّ قبل "حروب البسوس".
انتهت النشرة، وأوردت في ختامها نصائح مجرّبة لفوائد "الجريب فوت" السحرية، لكنّها لم تقل شيئاً عن إمكانية أنْ نقترب أكثرْ، أكثر من هذا البُعد، فكفكِ لم تعد من "نيسان" وكفِّي عالقة في "جمادى الآخرة"، وكان قد فاتنا كانونَان متباعِدَان، ومرّ عشرون شباطاً بلا رباط. الأجواء صيفيّة عاديّةٌ، وسحابة عالية على شكل درج عتيق في وسط البلد، واضحة رغم أنّ المدى بعيد، جربي أن نصعد الدرجات البيضاء، كأنني المغني الحليميّ، وأنتِ ممثلة صاعدة، ولكِ اسم فني سيشغل خيال الرجال لثلاثة أجيال، فقط لو أنّ النشرة الجوية، تقولُ شيئاً عن رغبة عاشقين بالسلام.

التعليق