في المدارس وبين الأصدقاء.. كيف نربي الأبناء على القناعة

تم نشره في الاثنين 20 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
  • يتوجب على الأهل التركيز على كيفية زرع القناعة بنفس الطفل- (ارشيفية)

ديما محبوبة

عمان- تتضارب المشاعر في نفس الطفل، وجميعها بحاجة للاحتواء والتوجيه من قبل المربين، لا سيما مشاعر الغيرة ومقارنة الذات بالآخرين.
ويشتكي العديد من الأهالي من سلوكيات أبنائهم المتعلقة بمقارنة أوضاعهم بأوضاع أقرانهم، خصوصا في المرحلة الدراسية، ومنهم والدة الطفلة إيمان، وتقول "أسوأ الأوقات لدي عند عودتي طفلتي من المدرسة"، معللة "فهي فترة مخصصة للشكوى والتذمر وعدم الرضا عن مجريات حياتنا كافة، مقارنة بزميلاتها في المدرسة".
وتضيف "أشعر بتوتر شديد عندما تخبرني ابنتي بأن هناك حفلا سيقام بمناسبة عيد ميلاد إحدى الصديقات، وهناك تبدأ فقرة المقارنات والطلبات".
ولا ينتهي الحال بطلبات أعياد الميلاد المشابهة لأعياد الصديقات، بحسب الثلاثينية سمر حماد، وهي أم لثلاثة أبناء في المرحلة الابتدائية، مبينة أن الطلبات لا تنتهي وأكبر من قدرتها المادية، ما زاد من أعبائها.
وتذكر بعضا من متطلبات أبنائها، فمنهم من يطمح لشراء كاميرا تنتج الصورة بشكل فوري، كصديقه الذي جاء بكاميرته إلى المدرسة لالتقاط الصور التذكارية مع أصدقائه ومعلماته. وطالب أحد أبنائها بشراء "سكوتر" جديد، لأن صديقه أيضا، يأتي كل يوم صباحا مع والدته إلى المدرسة راكبا "سكوتر" و"متباهيا بين الأطفال"، بحسب قول الوالدة.
والغريب حسب حماد أن أبناءها لا يتفهمون الظرف المادي أو الأسباب الأخرى "للمنع"، على سبيل المثال، موضحة أن ذلك الولد يقطن بالقرب من المدرسة، فيستطيع أن يذهب إليها عن طريق هذه الوسيلة، أما نحن، فلا يمكننا تطبيق الأمر ذاته، لأن المدرسة تبعد ما يقارب نصف ساعة بالسيارة، وبعد كل هذه الشروحات تجد أن ابنها ازداد عنادا وإصرارا على امتلاك "السكوتر".
في حين يجد كمال جهاد وهو أب لطفلين في عمري (12 و15 عاما)، أن التربية هي ما تلعب الدور الأول والأساسي في ضبط جموح الأطفال وطلباتهم، وهذا ما جعله وزوجته يحرصان على ترسيخ فكرة "القناعة" في نفوس أبنائهما، من خلال إطلاعهما على الظرف المالي التي تعيشه الأسرة، بأسلوب محبب وفعال.
ويستذكر في بدايات الحياة مع طفليه، عندما كانا يعودان من المدرسة يطلبان ما يشاهدانه عند أصدقائهما، من "أيباد" جديد، أو حتى حفلة عيد ميلاد ضخمة، كما فعل الأصدقاء، وأحيانا تقليد شراء "حذاء" يرتديه أحد اللاعبين الرياضيين العالميين، كما ارتدى زميلهم في المدرسة.
فكان هو وزوجته يجلسان مع أبنيهما إن كان الطلب معقولا فلا ضير من ذلك، لكن إن كان المطلب غير منطقي أو فوق طاقتهما المادية، فيجلسان مع أطفلاهما ويتناقشون حول الأمور المهمة في الحياة، وأن التقليد لا يعني التميز، بل إن هناك العديد من الأمور لديهما، لا يمتلكها الآخرون.
الحالات السابقة تؤكد أن القناعة هي سيدة الموقف وعلى الأبناء تعلمها وتطبيقها في جميع مناحي الحياة.
وعليه، تؤكد الأسرية والمرشدة الاجتماعية رائدة الكيلاني، أن التعامل مع الأبناء في عصر انكسرت به العديد القيم، والسرعة في مختلف جوانب الحياة، فجر الكثير من الضوابط، وباتت مهمة الأهل التوجيه والرقابة من بعيد أمرا صعبا، وأحيانا يكون مستحيلا.
وتضيف "لكن على الأهالي أن يعلموا أن التسلط والإصرار والحزم مهمة أحيانا، فهذه الأدوات تسهم في صقل شخصية الطفل، ولكن ليس بشكل عدواني وسوء معاملته، بطلب شرح الفكرة للابن وتبسيطها".
وتوضح، أنه لا يمكن شراء هذه اللعبة الجديدة، لأن يمتلك لعبتين، لكن من الممكن في المرة المقبلة أن تطلب طلبا يليق بك أكثر وأقوم بتلبيته، إن كان ضمن الإمكانيات المادية، وفي حال إصرار الابن على هذا الطلب يتوجب على الأهل شرح جميع الظروف والوقوف عند رأيهم وعدم الخضوع لتلك الرغبات الطائشة وغير "المقنعة"، لأن الرضوخ هنا من الممكن أن يفسد الابن أكثر من إصلاح حاله في المستقبل.
اختصاصي علم الاجتماع، د. محمد جريبيع، يصف الحالة التي يقع فيها الطفل والأهل بأنها "صعبة"، فالفروقات المالية وطرق التربية اختلفت وكل له نهجه، فقديما المدارس لا تسمح بالبهرجة بين الطلبة، لكن اليوم تجد أن المدارس تهتم كثيرا بتلبية رغبات الطلبة والسماح لهم بالاحتفال بطريقتهم، حتى إن بعض المدارس تسمح بإحضار الهواتف الذكية.
ويضيف "وهذا يجعل التنافس بين الطلبة كبيرا، وكل يرى ويتطلع لما بيد زميله، ومن ثم يطلبه بعيدا عن أهميته أو الحاجة إليه".
سميرة خليل تعمل في إحدى المدارس الخاصة في الإدارة، وتشرح أنها في مدرسة ترفض البهرجة بين طلابها، وتحاول السيطرة قدر المستطاع، فعلى سبيل المثال، لا تسمح بأعياد ميلاد كل على هواه.
وترى أن القناعة وزرعها في الطلاب من مسؤولية الأهل والمدرسة بالتعاون بين الطرفين، وعلى المدارس أن تفرض قوانين أكثر صرامة في عدم جلب ألعاب أو ممتلكات خاصة بالطفل ليطلع أصدقاءه عليها، فالمدرسة مكان مخصص للتعلم وتطوير الفكر والذات، وليس للعرض.
في حين يبين اختصاصي علم النفس، د. موسى مطارنة، أن الطفل صاحب أهواء، ومشاعره عادة لا يسيطر عليها، حتى أنه يتحدث من دون التفكير بما يقول.
ويضيف "فلا يجب لوم الطفل على كثرة الطلبات وعدم قناعته بما بين يديه، وإنما يتوجب التركيز من قبل الأهل على كيفية زرع القناعة بممتلكاته الخاصة، وأهمية الشعور بالرضا، وما يليها من راحة نفسية في الصغر والكبر مستقبلا".

التعليق