الحب الحديث: التعارف عن طريق الإنترنت

تم نشره في الاثنين 20 آب / أغسطس 2018. 12:10 صباحاً
  • تعبيرية لرسام الإيكونوميست – (المصدر)

تقرير خاص - (الإيكونوميست) 18/8/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أحدث الإنترنت تحوُّلاً في الطريقة التي يعمل بها الناس ويتواصلون. ومع أنه أحدث انقلاباً في الصناعات، من الترفيه إلى تجارة التجزئة، فإن تأثيره الأكثر عمقاً يمكن أن يكون على أكبر قرار يتخذه معظم الناس -اختيار الشريك.
في أوائل التسعينيات، بدت فكرة الالتقاء بشريك الحياة على الإنترنت غريبة، بل ومثيرة للشفقة إلى حد كبير. لكنها أصبحت اليوم، في الكثير من الأماكن، طبيعية. وقد وضعت الهواتف الذكية حانات افتراضية في جيوب الأشخاص؛ حيث يمكن أن يختلط الأفراد العزاب والوحيدون متحررين من دون قيود الجغرافيا الاجتماعية أو الفيزيائية. وعلى الصعيد العالمي، يستخدم نحو 200 مليون شخص على الأقل خدمات المواعدة الرقمية كل شهر. وفي أميركا، أصبح أكثر من ثلث الزيجات يبدأ بتعارف على الإنترنت. وأصبح الإنترنت الآن ثاني أكثر الطرق شعبية بالنسبة للأميركيين لمقابلة أشخاص من الجنس الآخر، وهو يلتحق سريعاً بالتعارف بطريقة "صديق الصديق" في العالم الحقيقي.
الآن، أصبحت المواعدة الرقمية تجربة اجتماعية ضخمة، يتم إجراؤها على واحدة من أكثر العمليات البشرية حيوية وحميمية. وقد بدأت آثارها بالكاد في الظهور.
العالم الافتراضي والعالم الحقيقي
يختلف الالتقاء بقرين عبر الإنترنت بشكل أساسي عن الالتقاء به في العالم الحقيقي. ففي العالم المادي، يتم العثور على الشركاء في الشبكات عائلية أو بين دوائر الأصدقاء والزملاء. وعادة ما يكون الالتقاء بصديق لصديق هو القاعدة. وفي المقابل، يرجح أن يكون الأشخاص الذين يجتمعون عبر الإنترنت غرباء في الغالب الأعمّ. ونتيجة لذلك، توفر المواعدة الرقمية خيارات أكبر بكثير. وقد يوفر البار، أو فرقة الكورال، أو المكتب بضع عشرات من الشركاء المحتملين لأي شخص مفرد. أما على الإنترنت، فهناك عشرات الآلاف.
هذا المجال الأوسع كثيراً للاختيار -بالإضافة إلى حقيقة أن الاتصالات الرقمية تتم فقط بالموافقة المتبادلة للطرفين- يجعل سوق التعارف الرقمي أكثر كفاءة بكثير منها خارج الإنترنت. ويشكل هذا بالنسبة للبعض أخباراً سيئة. فبسبب الفجوة في الانتقائية بين الجنسين، يكون بعض الرجال الأسوياء محكومين بعدم العثور على أي نظيرات يتطابقون معهن على الإطلاق. وفي تاتان، Tantan، تطبيق التعارف الصيني، يعرب الرجال عن اهتمامهم بنسبة 60 % من النساء اللواتي يرونهن، لكن النساء يعربن عن اهتمام بنسبة 6 % فقط من الرجال. وتعني هذه الديناميكية أن 5 % من الرجال لا يتلقون اهتماماً من النساء على الإطلاق. وفي التعارف خارج الإنترنت، بوجود بركة أصغر بكثير من الرجال للاصطياد منها، يكون من الأرجح أن تتزوج النساء السويات من رجال ما كانوا ليحظوا منهن حتى بنظرة على الإنترنت.
مع ذلك، يوفر التعارف الرقمي بالنسبة لمعظم الناس نتائج أفضل. وقد وجدت الأبحاث أن الزواج في أميركا بين الأشخاص الذين يلتقون عبر الإنترنت يرجح أن يستمر لفترة أطول؛ ويصر هؤلاء الأزواج على أن أنهم أكثر سعادة من أولئك الذين التقوا خارج الإنترنت. ويبدو أن الذعر الأخلاقي المحيط بتطبيقات التعارف والمواعدة مبالغ فيه إلى حد كبير. ويوجد القليل من الدليل النادر لإظهار أن الفرص عبر الإنترنت تشجع الخيانة الزوجية. وفي أميركا، ارتفعت معدلات الطلاق إلى ما قبل ظهور الإنترنت، ثم انخفضت منذ ذلك الحين.
يقدم التعارف عن طريق الانترنت هدية خاصة لأولئك الذين لديهم متطلبات خاصة جداً. ويسمح تطبيق "جيه ديت" Jdate للراغبين في التعارف بتصفية وحذف النظراء الذين لا يرجح أن يتحولوا إلى اعتناق اليهودية، على سبيل المثال. وكانت لهذه السوق نتائج أكثر درامية بالنسبة لمثليي الجنس على وجه الخصوص. وفي أميركا، يلتقي 70 % من الأشخاص المثليين بشركائهم عبر الإنترنت. وهذا الطيف القابل للبحث فيه من التنوع الجنسي يشكل هبة للبعض: حيث يستطيع عدد أكبر من الناس العثور على العلاقة الحميمية التي يبحثون عنها.
مع ذلك، هناك مشاكل في هذه الطريقة الحديثة للحب. ويشتكي العديد من المستخدمين من الضغط والإجهاد عندما يواجهون الواقع الوحشي لسوق اللحم الرقمي هذا ومكانهم في داخله. وكانت المشاعر السلبية حول صورة الجسد موجودة قبل الإنترنت، لكنها تتضخم كثيراً عندما يستطيع الغرباء إصدار أحكام مفاجئة على جاذبية الفرد. وقد تم ربط التعارف الرقمي بالاكتئاب. كما تتكرر المشاكل نفسها التي تعاني منها المنصات الرقمية الأخرى في هذا المجال أيضاً، من عمليات الاحتيال إلى الحسابات المزيفة؛ حيث لا تنتمي 10 % من جميع ملفات التعارف التي يتم إنشاؤها حديثاً إلى أشخاص حقيقيين.
قد تكون لهذا العالم الجديد من الرومانسية أيضاً عواقب غير مقصودة على المجتمع. ويمكن لحقيقة أن لدى الباحثين عن المواعدة على الإنترنت الكثير من الخيارات أن تكسر الحواجز: وتشير الأدلة إلى أن الإنترنت يعزز الزواج بين الأعراق عن طريق تجاوز المجموعات الاجتماعية المتجانسة. لكن المتعارِفين بالإنترنت يكونون أيضاً أكثر قدرة على اختيار شركاء أكثر شبهاً بأنفسهم. ويتحمل التزاوج المتجانس -العملية التي يرتبط فيها الأشخاص الذين يتمتعون بمستويات تعليمية ودخل متماثل- بعض اللوم مسبقاً عن عدم المساواة في الدخل. وقد يجعل التعارف عن طريق الإنترنت هذا التأثير أكثر وضوحاً: حيث يتم عرض مستويات التعليم بشكل بارز على ملفات المواعدة بطريقة لا يمكن أن تظهر بها خارج الإنترنت. وليس من الصعب تخيل مؤسسات خدمات المواعدة وهي تقوم بالمطابقة المستقبلية بين الناس عن طريق الصفات المفضلة، كما يحددها الجينوم الذي تم تحميله في البرامج. كما تعاني شركات المواعدة أيضاً من تضارب متأصل في المصالح. وسوف تتركها المطابقة المثالية بين الأزواج محرومة من العملاء الذين يدفعون مقابل الخدمة.
تشكل هيمنة حفنة من الشركات وخوارزمياتها على التعارف عن طريق الإنترنت مصدراً آخر للقلق. ولا تستفيد تطبيقات المواعدة من نفس نوع تأثيرات الشبكة مثل منصات التكنولوجيا الأخرى؛ حيث لا يحتاج الأمر إلى وجود أصدقاء الشخص المعني على موقع مواعدة محدد، على سبيل المثال. لكن حلقة التغذية الراجعة بين المجموعات الكبيرة من البيانات، والتي تولِّدها أعداد متزايدة من المستخدمين الذين ينجذبون إلى منتج يتحسن باستمرار، تظل موجودة. وسوف يوفر دخول سوق "فيسبوك"، المتسلح ببيانات مستخدميه البالغ عددهم 2.2 مليار، استبصاراً فيما إذا كانت المواعدة عبر الإنترنت ستتقوى وتتحول بشكل حتمي إلى منصات أقل عدداً وأكبر حجماً.
مركزة الرومانسية
ولكن، حتى لو لم يصبح السوق أكثر تركيزاً، فإن عملية الاقتران (أو عدمه) أصبحت أكثر مركزية من دون شك. فقد اعتادت الرومانسية أن تكون نشاطاً موزَّعاً يحدث في مجموعة من الأماكن، مثل الحانات والنوادي والكنائس والمكاتب؛ أما الآن، فقد أصبحت أعداد هائلة من الناس تعتمد على عدد قليل من الشركات للالتقاء بالقرين. وهذا يعطي عدداً صغيراً من المبرمجين، الذين يطورون الخوارزميات التي تحدد مَن يرى مَن عبر الحانة الافتراضية، قدرة هائلة على هندسة نتائج الاقترانات. وفي المجتمعات الاستبدادية على وجه الخصوص، يجب أن يتسبب احتمال الزيجات المدبرة عن طريق الخوارزميات ببعض القلق. وتوفر المنافسة بعض الحماية ضد مثل هذا الاحتمال؛ وكذلك يفعل وجود شفافية أكبر في المبادئ والمعايير التي تستخدمها تطبيقات المواعدة للمطابقة بين الأشخاص.
ومع ذلك، يجب أن لا تحجب مثل هذه المخاوف الخير الذي يأتي من هذه الطريقة الحديثة للرومانسية؛ حيث يمكن للشركاء المناسبين أن يرتقوا ببعضهم بعضا وأن يغذي أحدهم الآخر. ويمكن أن يدمر الأشخاص الخطأ حياة بعضهم بعضا. لكن التعارف الرقمي يقدم للملايين من الناس طريقة أكثر كفاءة للعثور على رفيق جيد. وهو شيء ينبغي أن نحبه.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Online dating: Modern love

التعليق