المعركة بين العلمانيين والمتدينين اليهود في القدس

تم نشره في الأحد 19 آب / أغسطس 2018. 11:10 مـساءً
  • مئات المستوطنين يستبيحون باحات الحرم القدسي الشريف.-( ا ف ب )

هآرتس

نير حسون


في الخطاب المعتاد حول القدس، يبدو أن الحملة الانتخابية الحالية مثل كل الحملات التي سبقتها منذ تيدي كوليك، تتمحور فقط حول مسألة واحدة وهي هل سينجح المتدينون المتزمتون اليهود، "الحريديم"، في احتلال مكتب رئيس البلدية؟ في تحليل كهذا يبرز بشكل عام مؤثران، الحريديم والعلمانيون. ولكن بنظرة معمقة أكثر سيظهر أن ميزان القوى في المدينة معقد أكثر وبالتحديد مؤيدو الصهيونية الدينية، كفة الميزان بين الحريديم والعلمانيين، يملكون في أيديهم مفتاح الفوز.
هذا الوضع يضع المتنافسين أمام صعوبة كبيرة: الحديث يدور عن جمهور متنوع جدا، من اليمين المتطرف التابعين لتيار مئير كهانا (رابي إرهابي، وعضو كنيست أسبق- قتل العام 1990 في نيويورك- تحرير الترجمة)، وحتى المتدينين الليبراليين الذين عدد كبير منهم شاركوا في مظاهرة الافتخار للمثليين في المدينة قبل أسبوعين، الذي من الصعب التحدث معه بصوت واحد.
في الحملتين الانتخابيتين السابقتين نجح رئيس البلدية نير بركات في خلق والحفاظ على التحالف مع التيار الديني الصهيوني، وضمنت له الفوز. الآن يخاف العلمانيون وجزء كبير من الجمهور المتدين من فوز المرشح من الحريديم الذي سيسرع عملية "الحردنة" (من حريديم- تحرير الترجمة) للاحياء العلمانية، وسيجر إلى الخلف الإنجازات في كل ما يتعلق بطابع السبت في القدس.
الحريديم من ناحيتهم يرون فرصة ذهبية للعودة والسيطرة على القدس بعد عشر سنوات من وجود رئيس بلدية علماني. حسب رأيهم، رئيس بلدية من الحريديم سيصحح التمييز ضد الحريديم في المدينة، خاصة فيما يتعلق بحل مشكلة السكن ونقص الصفوف في المدارس. ولكن النشطاء السياسيين الحريديم يخافون أيضا من هزيمة، ويتحدثون علنا بأنه من المفضل رئيس بلدية يكون مرتبطا بأصواتهم على رئيس بلدية من الحريديم يكون تحت هجوم دائم ويضطر إلى اتخاذ خطوات مثل تحويل ميزانيات لمظاهرة الفخار أو اعطاء تراخيص للمصالح التجارية التي تفتح يوم السبت.
صحيح حتى الآن أن الاستطلاعات تظهر فوزا محتملا لثلاثة متنافسين من بين الثمانية لرئاسة البلدية. ولكن لا أحد منهم يمكنه أن يكون مطمئنا: الطريق لرئاسة البلدية في عهد ما بعد بركات ما تزال متعرجة جدا. حسب الاستطلاع الذي نشر في الأسبوع الماضي من قبل شركة "معهد النماذج"، هناك ثلاثة مرشحين حقيقيين حتى الآن وهم نائب رئيس البلدية من الحريديم يوسي بايتش والوزير المتدين اليميني زئيف الكين والمرشح الشاب العلماني، رئيس حركة "النهضة" عوفر بركوفيتش. كل واحد منهم يحصل على 21 إلى 23 في المئة من التأييد، وخلفهم موشيه ليئور (11 في المئة)، رحيل عزاريا (6 في المئة) ويوسي حفيليو (4 في المئة). الاستطلاع لا ينثر الضباب بشأن قضية رئيس البلدية القادم، لكنه يمكن كل واحد من المرشحين الثلاثة من أن يخطط مسار في الطريق إلى مكتب رئيس البلدية.
نظام القوى المعقد والاسئلة التي بقيت مفتوحة تبقي مساحة كبيرة للتفسيرات من جانب المرشحين ومقربيهم. هذه هي السيناريوهات التي يرسمها المرشحون.
سيناريو دايتش بسيط كما يبدو. كل ما عليه فعله من اجل الفوز في الجولة الأولى هو الدعم الكبير من قبل جمهور الحريديم في المدينة، من شاس وحتى الفرع المقدسي الليتواني – وضمان أن الحريديم سيخرجون للتصويت بنسب عالية. في هذه الاثناء هذا غير متوفر. الجسم السياسي الوحيد الذي عبر عن دعمه له هو اغودات يسرائيل من الحريديم المتشددين. وطائفة الليتوانيين لم يقولوا كلمتهم بعد وكذلك شاس. الفرع المقدسي المتمرد في التيار الليتواني يطرح مرشح من قبله هو حاييم افيشتاين. موشيه ليئون الذي فاز في الانتخابات السابقة بدعم الحريديم تقريبا شامل، يقضم هو أيضا شريحة من الناخبين الحريديم، والوزير درعي المقرب من ليئون يحاول التوصل إلى دعم حريديم لترشيحه.
ولكن حتى توحيد كامل للحريديم ما زال لا يضمن الفوز لدايتش. الانتخابات القريبة ستكون الانتخابات البلدية الأولى التي ستجرى في يوم عطلة. المعنى هو أن المصوتين العلمانيين والمتدينين يمكنهم تقليص الفجوة في نسبة التصويت (التي بلغت في الانتخابات السابقة 10 في المائة لصالح الحريديم). وافشال ترشيح المنافس من الحريديم.
سيناريو زئيف الكين في الطريق إلى رئاسة البلدية يتكون من خليط مقدسي، علمانيون ومتدينون قوميون وحريديم. في الاسابيع الاخيرة كان يبدو أن الكين نجح في أن يكون المرشح المتقدم. لقد حظي بدعم رئيس البلدية نير بركات (وأثار بذلك غضب ليئون الذي قال إن بركات وعده بدعمه)، وبدعم متأخر لكنه هام من رئيس الحكومة، وأمس حظي بدعم رئيس الائتلاف دافيد أمسالم، الذي فكر بترشيح نفسه. هكذا وحتى لو أن فرع الليكود في المدينة لم يؤيده، فإن الكين يمكن أن يكون مطمئن فيما يتعلق بمؤيدي الليكود في المدينة وهم كثيرون.
في قطاع الصهيونية الدينية أيضا نجح الكين في تجنيد دعم الحاخامات البارزين. من رافي بويرشتاين رئيس حاخامات تساهر وحتى حاخامات الحريديم الوطنيين دوف ليئور وشلومو افينير. من جهة اخرى الكين يعرف أن الجمهور الديني الوطني بشكل عام والجمهور الديني الوطني في القدس بشكل خاص لا ينتظر بالضبط ما يخرج من افواه الحاخامات من اجل اتخاذ قرارات سياسية.
حسب استطلاع القناة الثانية فإنه اذا صعد الكين إلى الجولة الثانية امام دايتش أو بركوفيتش فإنه سيفوز عليهما بسهولة نسبية. مشكلته هي أنه من اجل الوصول إلى الجولة الثانية يجب عليه الفوز على بركوفيتش واضعاف ليئون إلى درجة أن يوطد نفسه كمرشح اليمين المتدين، الوحيد. هذا في الوقت الذي لم يظهر فيه ليئون اشارات تدل على أنه سيترك هذه الساحة خالية.
في وقت لاحق من السباق، الكين من المتوقع أن يتوجه إلى المنطق الاستراتيجي للمعسكر من غير الحريديم في المدينة وأن يشرح بأنه حتى لو أنه كان ليس هو المرشح المثالي بالنسبة للجمهور الليبرالي واليساري، فإنه مفضل بالنسبة لهم على رئيس بلدية حريدي. حسب ادعاء مقربيه فإن الاستطلاع يبين أنه المرشح من غير الحريديم الوحيد الذي يمكنه الفوز – حيث أنه في حالة جولة ثانية فإن بركوفيتش وليئون أيضا سيخسران بدرجة يقين عالية لدايتش. صحيح أنه حسب الاستطلاع سيفوز بركوفيتش على دايتش في الجولة الثانية، لكن بفرق صغير. مع الاخذ بالاعتبار أنه في الجولة الثانية ستهبط نسبة التصويت (ليس هناك بالطبع يوم عطلة)، فإن احتمالات أن يقوم الحريديم باغلاق الفجوة، كبيرة.
في محيط بركوفيتش يرفضون بالطبع هذه الحسابات. بركوفيتش، المرشح الاصغر، والعلماني الوحيد بين المرشحين الحقيقيين، يعتبر في بداية السباق وهو راض جدا عن الاستطلاع الذي اعطاه المكان الأول (في حدود خطأ العينة). ولكن السيناريو الخاص به للفوز ما زال مركبا.
افتراض بركوفيتش هو أنه في النهاية سيفهم المرشحان الآخران الصوت العلماني المتنوع في المدينة، راحيل عزاريا ويوسي حفيليو، أنهما يضران المعسكر، وسيسحبان ترشحهما. في المرحلة القادمة يأمل بخلق زخم حوله وحصد القليل من الدعم القليل من الصهيونية الدينية ومن اوساط المترددين.
وهو يأمل بأن ينقلاه إلى خلف حاجز الاربعين في المائة المطلوب للفوز في الجولة الأولى. المشكلة هي أن عزاريا وحفيليو لا يظهران دلائل انسحاب. وحتى اذا حدث هذا فإن احتمالات تحقيق الاغلبية المطلوبة امام الكين ودايتش تبدو ضعيفة. في حالة ان بركوفيتش صعد للجولة الثانية فعليه الأمل بأن يكون هذا امام دايتش، والجمهور العلماني والمتدين في المدينة سيقفان من خلفه وسيذهبون إلى صناديق الاقتراع في المرة الثانية بنسبة اعلى – وهذه مهمة غير سهلة حسب كل الآراء.
في محيط عزاريا يشرحون أن بركوفيتش وصل إلى آخر حدود قدرته. وأنها هي فقط كامرأة مترشحة متدينة وتعرف المدينة عن قرب تستطيع توسيع حدود المعسكر المتنوع وجلب اصوات حتى من المتدينين ومن الحريديم الحديثين. ليئون الذي نجح في الانتخابات السابقة في هز كرسي بركات، بدون شك تخيل بشكل آخر تلك الايام. احتماله الوحيد للعودة إلى السباق هو أن يفشل دايتش، وهو نفسه يتحول إلى مرشح الحريديم.
في القدس هناك بالطبع كتلة انتخابية اخرى، لكنها شفافة تماما – الفلسطينيون. فهم يستطيعون تغيير نظام القوى في المدينة بصورة دراماتيكية لأنهم يشكلون 40 في المائة من سكان المدينة. ولكن رغم ذلك، ورغم أنه في الفترة الاخيرة سمعت اصوات جديدة، يبدو أن التابو السياسي والاجتماعي ضد التصويت لن يكسر. المرشح الفلسطيني لمجلس المدينة، رمضان دبش، من صور باهر، وصل في هذه الاثناء إلى مسافة بعيدة عن أي مرشح فلسطيني آخر في التاريخ. رغم التهديدات والضغوط فهو يرفض التنازل، لكن كما هو متوقع هو يواجه معارضة شديدة من جانب السلطة الفلسطينية وحماس.

التعليق