مفهوم الحج

تم نشره في الخميس 30 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

 د. هاشم غرايبة

الحج لغة هو الارتحال لزيارة مكان مقدس تبركا وتنسكا، وهو شعيرة قديمة، وككل الشعائر أصلها إلهي، لكن تقادم العصور أضاع كثيرا من معانيها وتفصيلاتها، فدخل عليها الهوى والمصالح البشرية، لتصبح متباينة التنوع، ما أوهم غير المؤمنين بأن الإنسان هو من ابتدعها، كل حسب ثقافته ومفاهيمه.

الأصل في الحج هو إلى بيت الله الحرام في مكة فقط، بدلالة أنه أول بيت لله وضع للناس جميعا (وليس للعرب فقط)، ولا يعرف تاريخ بنائه، لكن يبدو أن التحولات من التوحيد الذي كان دعوة جميع الرسل نحو الوثنية عند الأقدمين، والتي كانت بعد تقادم العمر على المؤمنين، فيأتي من البشر بعد حين من المنتفعين وأصحاب المصالح من يحوّر في المبادئ شيئا فشيئا حتى تتغير معالمها، هذه التحولات تضيع الحج الأصل وتبقى الطقوس المعدّلة، ويتخذ كل قوم مزارا بديلا يحجون إليه، والدليل على ذلك تحول غالبية المحيطين بالبيت الحرام الى عبادة أصنام هم يعلمون أنها ليست آلهة، لكن المحرّفين لعقيدة التوحيد أوهموهم أنها تقربهم الى زلفى.

لكن بقي الحج الى هذا البيت كرابط للبشر بالخالق، إنما انمحت طقوسه الأصلية مع الزمن لتتحول الى حركات وأصوات رمزية، كما انهدم أكثر من مرة بفعل العوامل الطبيعية، وأعاد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام رفع قواعده بعد أن زالت معالم البناء، وكانت المرة الأخيرة قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي أعادت الأمور الى نصابها من جديد وإلى الأبد.

العبادات في الدين مترابطة متكاملة، وسميت أركان الإسلام لأنها مرتكز الإيمان وقواعد العقيدة، صحيح أن كلا منها له خصوصية شعائرية لكنها تلتقي في نقطة واحدة التي هي فلسفة الدين ومبتغاه، وهي ضبط كل ما يصدر عن المرء من قول أو فعل ضمن محددات ضوابط الضمير والأخلاق العامة، لتحقق الصلاح الفردي والمجتمعي معا.

لذا فهذه المعادلة (صلاح الفرد يؤدي الى صلاح المجموع والصلاح الجماعي يضبط صلاح الفرد) هي جوهر الدين ولا يحققها أي تشريع بشري، لذا نجد لهذه الفلسفة بصمات واضحة في كل العبادات.

فالصلاة التي هي عماد الدين تنهى عن الفحشاء والمنكر فرديا، لكنها في صلاة الجماعة دعاء جماعي الى هداية الجمع المصلي "اهدنا الصراط المستقيم"، ومع توحد رجائهم هذا تتوحد نواياهم الى عمل الخير والتكافل والتواد من خلال رفقتهم لبعضهم في المسجد.

أما صيام رمضان فهو صيام الفرد عن جميع الشهوات الحلال منها والحرام، دافعه التقوى، وظاهره تقديم طاعة الله على طاعة النفس واحتياجاتها الفطرية، صحيح أنه فعل خفي على الآخرين، فلا يعلم أحد إن كان هذا الشخص صائما حقيقة أم لا، لكنه كونه يأخذ طابعا جماعيا، تنعكس طبيعة الحياة المعتادة على حالة الصيام، فيصبح تظاهرة جماعية نحو الصلاح والإخلاص في النية، فتضبط السلوكات الفردية، وتصبغ المجتمع بطابع رمضان.

الزكاة أصلها عبادة فردية، فلا يعلم استحقاق الزكاة ولا قيمتها غير صاحب المال، لذا فهو يخرجها بإرادته التي يحكمها التقوى والطاعة لله، لكنها تصبح موسما خيريا في المجتمع حينما توزع على مستحقينها، فيفرحون بها، وتمتلئ نفوسهم تقديرا لمن أحسن إليهم، فتزول الأحقاد التي ولدها تفاوت الحظوظ في الرزق.

تأتي العبادة الكبرى وهي الحج لتجمع كل العبادات الآنفة في كنفها: ففيها تطبيق لمعنى الشهادتين بذكر الله والتلبية والدعاء عند الطواف والسعي، وفيها الصلاة ونهيها عن الفحشاء والمنكر، وفيها الصوم عن الرفث والفسوق والإحرام عن زينة اللباس، وفيها الزكاة بالهدي شكرا لله على ما هداهم إليه وما أنعم عليهم بالأنعام المذللة لخدمتهم.

وفوق ذلك تجسيد لدور العقيدة في توحيد البشر ومساواتهم، باجتماع كل الأمم والأعراق على صعيد واحد وبلباس واحد، تدريب وتهيئة استعدادا للقاء يوم الحشر المهيب، فلا ترى أميرا ولا فقيرا، بل كلهم بشر إخوان، لا يتمايزون بالمال والجاه فكلهم فقراء الى رحمة الله وعفوه، يلهجون بالدعاء بحاجاتهم وهمومهم الى مالك الملك ومن بيده الأمر.

بعد هذه الدورة الإيمانية المكثفة للحاج، يفترض أن يصطلح مع ربه، وبذلك يعود كأنه خلق من جديد.

التعليق