للجريمة وظائف أخرى

تم نشره في الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:07 مـساءً

يرى الاتجاه الوظيفي في علم الاجتماع أن لكل فعل أو ظاهرة أيا كانت وظائف بعضها ظاهرة وأخرى خفية. ومثلما يحدث في الفقر الذي يجعل الفقراء يقدرون الأشياء ويتعاطفون مع غيرهم فإن للجريمة وظائف ليس أقلها أنها تشكل فرصة للأفراد لإعادة النظر في تصرفاتهم والتفكير في حماية أنفسهم إضافة إلى قيام المجتمع بمراجعة لتعريفاته لما هو المقبول وغير المقبول في سلوك الأفراد والجماعات والذي غالبا ما نتعرف عليه من خلال حجم الإدانة والاستنكار الرسمي والأهلي للفعل أو القبول به والتسامح مع الفاعلين.
الأسابيع الثلاثة الماضية لم تكن كغيرها من الأيام التي مرت على المنطقة والعالم فقد وضعت دول العالم والمتابعين للإعلام في مزاج غاضب وحزين وجعلت الجميع في حالة لا تختلف عن حالة من يتابع فلما من الأفلام البوليسية التي تحاول فك لغز من الألغاز المعقدة التي تعرضها أفلام الغموض.
 الشعوب والحكومات والساسة وقيادات الأحزاب ووكالات الأنباء وهيئات التحرير والكتاب في الصحف العالمية الكبرى ومحطات التلفزة الأجنبية وبعض المحطات العربية تابعت القصة وتطوراتها بحرفية عالية أحيانا وبانحياز واضح أحيانا أخرى. الإعلام العربي وإعلام الأنظمة والحكومات وجد نفسه أمام تحد جديد.
في هذه القضية التي نالت اهتمام العالم وقادته وصناع الفكر والرأي والوجدان ظهرت قيم وأخلاق وانحيازات الأمم والشعوب وتبدت الفروق الثقافية والنظرة التي تحملها الأمم والأفراد والزعماء لنفسها والعدالة والمصالح. اختفاء الصحفي السعودي جمال الخاشقجي وما صاحب ذلك من جدل واتهامات وتصريحات وخطب وتحليلات وحوار وضع العالم أمام حالة غير مسبوقة في الغرابة والتعقيد، وكشف عن حجم التغير الذي أصاب القيم والمواقف والتحالفات.
جريمة القتل التي ذهب ضحيتها الصحفي المعارض غريبة في شكلها ومسرحها وأسلوب التخطيط لها وتنفيذها وأدوات الجريمة وصلات الجناة بالمجني عليه واتساع المسرح وإجراءات التحقيق وطريقة الإبلاغ واستجابات الشهود وتركيبة فرق التنفيذ وكوادر التحقيق وتفاعل الإعلام وتقلب المواقف وعلاقة الأطراف المعنية في القتل والتحقيق والاستجابة.
الجريمة التي لا ينكر أحد بشاعتها ووحشيتها وسوء التخطيط والتنفيذ وبدائية الأساليب المتبعة في الإدارة والتغطية والإخراج والتعامل اللاحق مع آثارها وتداعياتها جاءت في توقيت مهم لتحريك المياه الراكدة في العلاقات التركية الاميركية والسعودية التركية والقطرية السعودية وغيرها من العلاقات الإقليمية الباردة والمتوترة كما أعطت للحزبين الجمهوري والديمقراطي مادة جديدة ومهمة للحوار والمناظرات حول نجاح الإدارة أو فشلها في التعامل مع هذه القضية العالمية وتداعياتها ولتؤثر كثيرا على مستقبل الانتخابات الأميركية والمواقف الأوروبية مما يجري في السعودية والمنطقة.
تركيا التي استثمرت حقيقة تحولها إلى قبلة إعلامية ومرجعية حول تفاصيل الأحداث وترتيبها والخيوط التي تقود للمخططين والمنفذين والأساليب المتبعة في إنفاذ الجريمة لعبت دورا مهما في إظهار الحرفية والموضوعية والالتزام بقواعد السلوك الدبلوماسي واللياقات التي يتوقع من الجميع احترامها وقد أظهرت مستويات رفيعة من التنسيق بين أجهزتها وأحزابها وإعلامها ونجحت في إدامة ثقة المتابعين بما يصدر عنها.
 الجريمة البشعة وتداعياتها منحت السعودية وتركيا والعالم فرصة كبيرة لمراجعة القيم التي تقوم عليها هذه البلدان والأساليب في التعامل مع حق حرية التعبير والنظر إلى العلاقات القائمة والأحلاف إضافة إلى عالمية الاتصال وقوة وسائل الاتصال وتأثيرها في الكشف والنشر والضغط والملاحقة.
في حديث ولي العهد السعودي الذي صفق له الحضور في منتدى دافوس الصحراء أشار الأمير محمد بن سلمان إلى أهمية العلاقة التركية السعودية والمستقبل الاقتصادي الواعد للمنطقة ودولها بما في ذلك قطر. في اللغة التي استخدمها ولي العهد السعودي إيماءات إيجابية يحتاجها الإقليم الذي عانى كثيرا من الاستقطاب والتوتر.

التعليق