اللياقة البدنية؟

تم نشره في الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:09 صباحاً - آخر تعديل في السبت 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 06:18 مـساءً

لم يكن لهذا المصطلح وجود في عصور ما قبل الثورة الصناعية، فقد كان كل الناس -إجمالاً- لائقين بدنياً بطبيعة الحياة اليومية التي كانوا يمارسونها، فهم في مرحلة الجمع والالتقاط في حركة يومية دائمة من أجل البقاء، ولذلك كانت أجسامهم قوية، وإلا أكلتهم السباع والضباع، أو ماتوا جوعاً وعطشاً.
وعندما انتقل الإنسان بعد آلاف السنين من البدائية إلى الزراعة واستقر، لم يتغير شيء كثير عليه من حيث اللياقة البدنية، لأن الأعمال الزراعية ومتطلبات الأسرة المنتجة اليومية ظلت تفرض نشاطاً جسمياً يومياً ممتداً عليه ما عدا في فصل الشتاء حيث يقل.
غير أن الأمر تغير بالثورة الصناعية، فبعد نشأة المصانع صار ممكناً التنبؤ بإنتاج العامل في الساعة. ولأن كلفة آلات المصنع كبيرة، صار من مصلحة رب العمل زيادة العائد على رأس المال بإجادة استخدام الآلة. وليقوم بذلك كان لا بد من فرض درجة من النظام (Discipline) في المصنع، غير المعروفة من قبل.
كان للمزارع والحرفي في العصر الزراعي مجال للنظر خارج العمل لمعرفة ما يحدث وترك المحراث أو الحصاد... أو العمل في المحل إذا حدث شيء ما مُعطّل، غير أنه بعد قيام المصنع بالدوران لم يعد باستطاعة العامل ترك عمله بدون لخبطة خط الإنتاج فيه. وهكذا نشأت فكرة الإنتاجية (Productivity) وصارت فضيلة عظمى. ولعلها أهم فضيلة في الإنتاج في كل أمر. صار الوقت بعد وردية العمل وقتاً للراحة والشفاء. وبتواتر الصناعة نشأ المجتمع الحضري/المدينة. وصار للعمل في الصناعة وإدارة الدولة حاجة ملحّة إلى الفراغ (Leisure) وحاجة ملحة إلى سوق جماهيري في الفرص والترويح، لملئه.
صار الفراغ يعني وقتا خاصا بالمرء مستقلا عن العمل. صار يتطلب ملؤه بالمسرّة والحساسية نحو الجمال والوجود وبهاء الشخصية الإنسانية. صار طريقة للعيش. وصار المرء بحاجة إلى مهارة لتوظيفه فيما بعد بينبوع ثقافي واجتماعي وإنساني. وقد قيل إنه بالفراغ المتاح تقع أهم الأحداث في حياة الإنسان، وعلاقاته مع الأصدقاء والطبيعة والفنون، وإن تحريم اليهودية والإسلام بعده للفنون ناشئ عن طبيعة المرحلة التي نشأ فيها كل منهما.
صار جسم الإنسان يترهل بتمضية وقت الفراغ المليء بالفراغ والكسل وبخاصة بعد التقاعد، فصار بحاجة إلى ما يسمى باللياقة البدنية. واللياقة البدنية، حسب روجر بانيستر -العداء العالمي- هي حالة من الانسجام العقلي والجسمي تمكن المرء من مواصلة عمله ووظيفته، أو ملء فراغه بأقصى ما يستطيع من قدرة وبسعادة عظيمة.
صارت الهرولة أو الركض أو "القزدرة" أو السباحة، أكثر النشاطات المستخدمة للمحافظة على اللياقة البدنية في المدينة. والهرولة هي ركض -بدون مسابقة- ميلاً في ثماني دقائق. غير أنه لفائدة أعمق في الركض فإن على المرء أن يركض نحو ثلاثة أرباع ساعة أو ساعة أربع مرات في الأسبوع. وأما (القزدرة) فتعني المشي على مهل، وفي كثير من الأحيان مع صديق أو أصدقاء. وبهذه النشاطات يشعر المرء بتحسن في روحه المعنوية، وفي نظرته العامة إلى الأمور.
وكما ترون أدت الثورة الصناعية والتكنولوجية بعدها والحياة في المدينة إلى بروز حاجة ملحة إلى ملء الفراغ بنشاطات جسمية وعقلية هادفة. وهكذا نشأت في معظم المدن مراكز لياقة تعمل للمحافظة على اللياقة البدنية، أو تخفيض الوزن، أو مجرد الاستمتاع ولكن الخالية مما يحافظ على اللياقة العقلية. لكن يبدو أنه بعد توقف المرء عن مزاولة اللياقة البدنية فإنه يعود إلى حالته الأولى عندما التحق بالمركز ليتخلص منها مما يجعله أسيراً دائماً للياقة البدنية المكلفة.
ينضم كثيرون في عمان إلى مراكز اللياقة أو يقيمها بعضهم في بيته. لأنه لا توجد في المدينة فرص مشجعة على المشي والقزدرة والهرولة والركض. فكل الفراغات محجوزة للسيارات، والأرصفة طاردة لدرجة أنك قد لا تجد رصيفاً صالحاً تمشي عليه، أو مضماراً قريباً تركض فيه. وعندما تذهب إليه بالسيارة تسقط الحاجة إليه. إن البنية التحتية في عمان والمدن الأردنية معادية لرياضات المشي والقزدرة والهرولة والركض...

التعليق