الأصول المعرفية

تم نشره في الأحد 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

د. غسان الطالب*

الإنتاج المعرفي والتعامل معه في المؤسسات الإنتاجية ليس له سقف أو حدود ورقية نقف عندها بل هو فضاء رحب وواسع مع ما يشهده العالم من تسارع علمي واستكشافي متمثل في ثورة الاتصالات والمعلومات والتطور التكنولوجي الذي يشمل مناحي الحياة كافة، وخاصة بما يتعلق بالجانب الإنتاجي الذي يؤثر أحيانا في السلوك الاجتماعي والثقافي لأفراد المجتمع، بحيث لم تعد معها الأصول المادية لأي منشأة إنتاجية هي المحدد الرئيسي للعملية الإنتاجية سواء كانت سلعية أو خدمية، بل دخل مفهوم جديد للأصول المساهمة في العملية الإنتاجية، وهو الأصول المعرفية.
الأصول المعرفية هي في النهاية تمثل رأس المال المعرفي في حدوده العلمية والتكنولوجية المتابع والمتفاعل مع التطور السريع في إنتاج المعرفة بشقيها الفكري والتكنولوجي المرتبط في إنتاج أفكار جديدة أو تطوير الموجود منها أصلا والقائم عليه عمل المنشأة، لهذا لا يمكن فصله عن رأس المال البشري بما يمثله من مجموعة خبرات ومعرفة يمتلكها العاملون أو القائمون على العملية الإنتاجية، وبالتالي سوف ينعكس ذلك على أداء المنشأة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه يسهم في تطوير الأفكار والفلسفة القائمة عليها المنشأة، مما يساعدها على التقدم والتطور وتحسين مستوى الإنتاج.
ما نرغب في الوصول اليه من هذه المقدمة هو القول إن الصناعة المصرفية الإسلامية معنية بمجاراة ثورة المعرفة لما شهدته في السنوات الأخيرة من نشاط متميز في قطاعي التمويل والاستثمار الملتزمين بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، إضافة إلى الاهتمام بجانب الخدمات المصرفية ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي لتطوير أدائها، فهي نشأت في مجتمعات تطبق وتتعامل مع نظم مصرفية تقليدية، مما فرض عليها نوعا من التحدي، الأمر الذي تطلب وجود رأسمال بشري، يمتلك المعرفة التي تنسجم مع خصوصيتها في جانب العمل المصرفي وكذلك معرفة في الضوابط الشرعية للمعاملات المالية وما يرافقها من تطور في المعايير الفقهية أو المحاسبية التي تنسجم مع فلسفتها، ويتصف كذلك بامتلاك المهارات والقدرات التي تناسب طبيعة هذه المصارف؛ نظرا لحجم التحدي الذي تواجهه من جانب، ومن جانب آخر حتى تكون قادرة على جذب المودعين وتقديم الخدمات المصرفية اللازمة لمعاملاتهم المالية المنسجمة مع أحكام الشريعة الإسلامية والمنافسة لمثيلاتها في البنوك التقليدية، إضافة إلى قدرتها على البحث عن فرص الاستثمار المناسبة التي تلبي رغبة المودعين، ثم إدارة العمليات الاستثمارية بالشكل الذي يقلل من ارتفاع درجة المخاطرة والسعي لكسب حصة أكبر من السوق المصرفي.
وحتى تستمر صناعتنا المصرفية الإسلامية في تميزها والمحافظة على مكتسباتها المحلية والعالمية والتركيز على العناصر كافة التي تقودها الى النجاح والتطوير المستمر لأدائها، فإننا نوصي بالاستمرار والتركيز على النواحي الآتية:
- التحديث والمتابعة المستمرة للوسائل العلمية والتكنولوجية كافة وكل ما هو جديد ومتعلق بالعمل المصرفي وتطوير أدائه وخدماته.
- التدريب والتطوير المستمر للعاملين كافة في القطاع المصرفي الإسلامي، لما له من أهمية في تنمية مهارات العاملين وتطوير قدراتهم لتقديم الأفضل من الخدمات المصرفية الإسلامية وبالجودة التي تخدم المودعين.
- التوجه إلى الجامعات والمراكز الأكاديمية لإعطاء المزيد من الاهتمام للتخصصات المتعلقة بالمصرفية الإسلامية والمعاملات المالية الملتزمة بالشريعة الإسلامية لتعزيز ورفد هذا القطاع بكوادر تمتلك العلم والمعرفة.
- عقد المزيد من المؤتمرات وورش العمل والندوات التي يكون الهدف منها تعميق ونشر ثقافة المصرفية الإسلامية، لإيصال رسالة المصارف الإسلامية ومواكبة كل ما هو جديد في القطاع المصرفي ليتمكن من الابتكار وتقديم منتجات مالية جديدة وذات هدف.
إن المصرفية الإسلامية، بعد هذا الانتشار والتوسع في أنحاء شتى من العالم وحيازتها على ما يقارب 15 % من السوق المصرفية العالمية وكما صنعت هذا الإنجاز الرائع، فإنها مطالبة بالاستمرار في البحث والتعامل مع رأس المال المعرفي كعنصر ومكون رئيسي في العملية الإنتاجية الى جانب الأصول المادية والإصرار على تجاوز تحدياته، للمحافظة على منجزاتها في الجودة والإبداع.

* خبير في التمويل الإسلامي

التعليق