الشتاء قادم إلى المملكة المتحدة

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • رئيسة وزراء المملكة المتحدة تيريزا ماي – (أرشيفية)

هارولد جيمس*

برنستون - شرع مشروع انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في الفشل بوتيرة سريعة. فقد فشل "مخطط تشيكرز" الذي بنت عليه رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، الاستراتيجيات التي اعتمدتها في مفاوضاتها منذ البداية. ولم يرفضه الاتحاد الأوروبي وحزب العمال المعارض فقط، وإنما رفضه أيضاً ما يكفي من أعضاء البرلمان لضمان عدم حصوله على تصويت البرلمان.
بناء على هذا، أصبح الخيار الوحيد هو التأجيل والأمل في حدوث تغيير مفاجئ (وهو ما يعرف أيضاً باستراتيجية ركل العلبة على الطريق). وعلى الرغم من أن الطريق المسدود الحالي قد يعني ببساطة أن استراتيجية ماي كان فيها خلل ما، فإنه يدل أيضا على أن المنطق الضمني لبريكسيت ليس متماسكا.
يعتمد مخطط تشيكز على مجموعة من التسويات غير السهلة؛ فقد تحافظ المملكة المتحدة على علاقتها الجمركية مع الاتحاد الأوروبي، لكنها لن تكون في اتحاد الجمارك التابع له. وبدلا من ذلك، سوف تفرض كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي "مجموعة من القوانين"، وسيكون بإمكان المملكة المتحدة عدم الامتثال لقوانين التجارة الخاصة بالاتحاد الأوروبي أثناء عقد اتفاقيات مع طرف ثالث.
على الرغم من أن برنامج الاتحاد الجمركي المراوغ كان مقبولاً من كلا الطرفين، فإن مسألة الحدود الايرلندية سوف تطفو على السطح. وبالتحديد، إما أن يكون هناك خط فاصل بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا (التي ستبقى في المملكة المتحدة)، أو بين إيرلندا الشمالية وبريطانيا. وسيهدد السيناريو الأول مسلسل السلام الإيرلندي، بينما قد يدمر السيناريو الثاني المملكة المتحدة.
بني مشروع بريكسيت على الاعتقاد بأن السيادة القومية هي الركيزة المنطقية الوحيدة للنظام العالمي. ويندرج هذا الاعتقاد في نظر الأكاديميين ضمن فلسفة "الواقعية"، التي يقصد بها أن الدول تدفعها مصالح تكون قد حددتها وصرحت بها بوضوح. وتتعارض هذه المصالح مع بعضها البعض بشكل دائم على المستوى العالمي. ويمكن أن نجد تجسيدا شعبيا غير أكاديمي لهذا المذهب في مسلسل تعرضه محطة (إتش. بي. أو)، "لعبة العروش"، الذي يجمع بين مبادئ شكسبير والفانتازيا.  
بالنسبة للعديد من المراقبين، أصبحت سلسلة لعبة العروش بمثابة العدسة التي يفهمون من خلالها الواقع المعاصر. فخلال الاجتماع السنوي الذي عقده صندوق النقد الدولي في بالي هذا العام، عرض الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو نفس موضوع هذا المسلسل عندما قال محذرا: "الشتاء قادم". وبما أن "المجالس الكبرى" للولايات المتحدة الأميركية والصين تتنافس على "العرش الحديدي"، أصبحت احتمالات حدوث أزمة عالمية لا تستثني أحدا في ازدياد.
من خلال رسمها لعالم يسوده الغش والتحالفات المنكسرة، تُجسد سلسلة لعبة العروش زمننا الحاضر الذي يسوده الشك الدولي. وهي سلسلة يجب على مؤيدي بريكسيت مشاهدتها. وقد اختار مايكل غوف، أحد قائدي حملة "إنسحبي"، تيريون لانيستر، الضحية والعقل المدبر، كشخصية مفضلة لديه. 
حسب الأسلوب للعبة العروش، يكون الاتحاد الأوربي جسماً لا معنى له من الناحية المؤسساتية، لأنه مبني على فكرة أساسية مستحيلة: تجاوز القومية ومصالح الدولة. وكان أحد الدوافع وراء بريكسيت، هو الاعتقاد بأن أوروبا تنهار بسبب ثقل الديون التي لا يمكن التخلص منها، والهجرة التي خرجت عن السيطرة. وبذلك، كانت المملكة المتحدة تحاول الهروب من منزل كان يحترق فقط، قبل أن يسقط وهي بداخله.
المشكلة هي أن هذا التأويل يتجاهل الطرق التي تُمسك بها المؤسسات الأوروبية والسلطات المسيطرة، وأطر العمل القانونية، هذا المنزل معا. ومن المؤكد أن هناك دائما أشخاص في بعض الدول، والذين يكرهون بعض القوانين. وكانت لدى مواطني شمال وجنوب أوروبا آراء مختلفة بخصوص أزمة اليورو، بينما لدى مواطني أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية آراء مختلفة بشأن اللاجئين. لكن الانقسامات السياسية الرئيسة تتواجد داخل المجتمعات وليس فيما بينها، وسوف يعمل خروج بريطانيا على زيادة هذه الانقسامات على الأغلب.
في نهاية المطاف، تأتي الأنظمة الجديدة بانقسامات جديدة، كما هو الحال الآن في المملكة المتحدة، حيث أصبحت مدينة لندن حائرة بين البنوك القلقة بشأن فقدان زبنائها الأوروبيين وأسواقها الأوروبية، والصناديق الوقائية التي تسعى إلى التحرر من القوانين الأوروبية. ويخشى بعض المزارعين من فقدان الدعم الذي يقدمه لهم الاتحاد الأوروبي، بينما يعتقد آخرون أن إطارا جديدا سيسمح لهم بممارسة زراعة أكثر استدامة. ويريد بعض مؤيدي البريكسيت المزيد من الإنفاق الاجتماعي، بينما يرغب آخرون في أن تصبح بلدانهم جنة محررة من القوانين لِكي تنافس سنغافورة. كل واحد يريد عالماً أفضل، لكن القليلين فقط هم الذين سيوافقون على كيف سيبدو مثل هذا العالم.
في أوروبا القارية أصبحت صعوبة -إذا لم نقل استحالة- وضع استراتيجيات قومية للخروج قابلة للاستمرار ظاهرة معروفة على نطاق واسع. فعندما اقترحت مارين لوبين من الجبهة الوطنية لليمين الفرنسي المتطرف إجراء استفتاء بشأن اليورو خلال الحملة الرئاسية الفرنسية في بداية العام 2017، فقدت الدعم. وتحدث نفس الديناميكية اليوم في إيطاليا، حيث اضطر الحزبان الشعبيان اللذان يملكان زمام السلطة إلى التراجع عن التعليقات الشكوكية التي صرحا بها مُسبقاً بشأن منطقة اليورو، وأظهرا بذلك أن موضوع "خروج إيطاليا" لن يعرض للمناقشة. 
كما يرى الشعبيون القاريون، فإن الانفصال يفرض مطالب مستحيلة على الزعماء. وفي إطار العمل الواقعي، ينبغي على الحكومة أن تمثل مصالح البلد على أكمل وجه. لكن المصالح القومية في ديمقراطية تعددية معرضة للنقاش والاختلاف. والمرة الوحيدة التي كانت فيها الواقعية منطقية في تأويلها للعالم، جاءت في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كانت الديمقراطية في أزمة، وكان الاستبداديون فقط هم الذين يستطيعون تطبيق هذه النظرية.
خلال حملة حزيران (يونيو) 2017، تعهدت ماي بأنها ستقود حكومة "قوية ومستقرة". ولكن، ولأنها لا تستطيع أن تحكم كما يفعل الحاكم المستبد، لم تعد صفات" قوية ومستقرة" خيارا، والفضل يرجع إلى بريكسيت.

*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون، وهو زميل رفيع في مركز الابتكار الدولي للحكم. متخصص في التاريخ الاقتصادي الألماني والعولمة، ومؤلف مشارك لكتاب جديد بعنوان "اليورو ومعركة الأفكار". وهو مؤلف كتب "خلق وتدمير القيمة: دورة العولمة"، و"كروب: تأريخ للمؤسسة الألمانية الأسطورية"، من بين كتب أخرى.
*خاص بـ‘‘الغد‘‘بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق