فاجعة البحر الميت والتفسير الديني للحدث

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:09 صباحاً

 د. أحمد ياسين القرالة

بينما ما زالت قلوب الأمهات مكلومة منفطرة ودموع الأحبة غزيرة منهمرة، والمجتمع الأردني كلُّه مصاباً بالدهشة والذهول لهول ما حصل في البحر الميت، ورائحة الموت الكريه تسود المكان والحزن والألم يلف النفوس ويغلف الأرواح، خرج علينا بعض الدعاة والمتدينين بتفسير غريب ومؤذٍ لأسباب تلك الكارثة، حيث ذهب البعض إلى أن ما حصل ما هو إلا عقوبة من الله تعالى، وليس سوى انتقام لنا على كثرة معاصينا وزيادة ذنوبنا ودوام مخالفتنا لأوامر الله تعالى.
وهذا التفسير فضلا عن افتقاده لأدنى قواعد الذكاء العاطفي والوجداني وتجرده من كل الأحاسيس والمشاعر وتنكبه لكل القيم والمثل، هو تفسير عبيط وساذج للنص الديني كما أنه في الوقت نفسه تضليل متعمد ومقصود لتغييب الحقيقة ومحاسبة المسؤولين والمتسببين في الكارثة، والحيلولة دون العمل على استخلاص الدروس والعبر التي تمنع حصول الكارثة وتكرارها في قادم الأيام.
ولعل أخطر ما في هذا التفسير أنه يجعل الناس يشكون في أصل الدين ويشعرون بعدم منطقيته واتساقه مع أدنى قواعد العقل وقوانينه، فمن بدهيات العقل وأساسياته قانون العلة واطرادها وهو يعني أن كل معلول لا بد له من علة، وأنه كلما كانت العلة كان المعلولُ حتماً، فإذا وجدت العلة دون معلولها انتقضت العلة، ولم يعد من الجائز اعتبارها والاعتماد عليها في التفسير والتعليل؛ وبناء على هذا القانون فإذا عللنا سبب كارثة البحر الميت بأنها عقوبة من الله تعالى بسبب ذنوبنا ومعاصينا، فهذا يستلزم حتما حصول الكوارث كلما حصلت الذنوب المعاصي، وهو منتقض بحكم الواقع، حيث إن معظم الدول غير الإسلامية ترتكب كل الأفعال التي نعتبرها محرمة ونراها ذنوباً وكبائر أضعافَ أضعاف ما نرتكبه من الذنوب والمعاصي، فهي تأكل الربا وتشرب الخمر وتمارس الزنا وتبيح المثلية، ومع ذلك تجدها تعيش في أمن وسكينة بلا كوارث ولا مصائب، وعندما تصيبها الكارثة فإن خسائرها وآثارها لا تعدل عشر معشار آثار ذات الكارثة عندنا، فلو كانت المعاصي والذنوب هي سبب الكوارث لكانت تلك الدول أولى بالكوارث منا.
كما أن هذا التفسير يجرد الخالق عز وجل من حكمته وعدالته ورحمته، إذ كيف لهذا الإله أن يترك الفاسدين والمجرمين بينما ينقم من أطفال برآء لا ذنب لهم ولا معصية؟ وكيف لهذا التفسير أن يحمل أماً مكلومةً بفقد وليدها على محبةِ الله عز وجل والشعورِ بالقرب منه والطمأنينة بجواره وهي تراه ينتقم من وليدها وفلذة كبدها لا لذنب اقترفه ولا لمعصية فعلها بل انتقاماً من غيره، فأي حكمة وعدالة هذه؟
كيف لكم أن تجيبوا عن أسئلة هذه الأم، وأن تقنعوها بعد الذي قلتم بعدل الله ورحمته، وكيف لكم أن تعيدوا لها محبةَ الله التي أفقدتموها إياها؟
الله أكرمُ من أن يعاقبَ غيرَ المذنب أو أن ينتقمَ ممن لا أذيةَ منه له، وهو أجل وأسمى من أن يمارس قوته وبطشه على ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، وهو أعدلُ من يحاسب الإنسان على فعل غيره، أو أن يعاقب شخصاً بجريرة آخر.
كان من الممكن لكم بل من الواجب عليكم أن توظفوا الدين توظيفا أخلاقيا يخفف عن أهالي الضحايا مصابهم الجلل، ويساعدهم على تجاوز محنتهم العظيمة ويقف معهم في فاجعتهم التي حلت بهم، وأن تجعلوهم يطمئنوا إلى مصير أولادهم وأنهم في كنف الله ورحمته، وأن تعلموهم أن الله تعالى غاضب أشدَّ الغضب، لكن ليس منهم وإنما ممن ضيّعهم، وأنه منتقم أبلغَ الانتقام ولكن ليس منهم بل ممن أوردهم موارد الردى، وأنه يحبهم لذلك اصطفهم لجواره وأكرمهم بالقرب منهم.
ما عاد من المقبول الزج بالدين في غير معتركه وإقحامه في غير مجاله، وتفسيره بما يتناقض مع الواقع والعقل، فذلك افتئات على الدين وإساءة بالغة له وتجن على حقائق الحياة ووقائعها، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.

التعليق