الحاجة لقاعدة أساسية لمحاربة الفساد

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:07 صباحاً

إن وجود أكثر من 1300 مخالفة قانونية في مختلف الدوائر والمؤسسات الحكومية تتضمن شبهات فساد وتعد على المال العام، كلفتها على خزينة الدولة قُدرت بمئات الملايين من الدنانير، يؤكد حالة الترهل الإداري، التي وصلت إليه العديد من مؤسسات الدولة، ناهيك عن الجرأة على "نهب" المال العام والتقصد بالعبث بمؤسسات الدولة.
تقرير ديوان المحاسبة الذي أكد وقوع هذه المخالفات خلال العام الماضي فقط، يشير بما لا يدع مجالا للشك بأن الكثير من مؤسسات الدولة، التي كان القاصي والداني يشهد بأدائها وكفاءتها خلال أعوام قليلة مضت، أصبحت "تعاني من عدم كفاءة وترهل إداري"، واضح للجميع، ناهيك عن "الاستهتار" بها، من قبل قائمين عليها سواء أكان مسؤولًا أم موظفًا عاديًا.
وإلا فما معنى أن يكشف ديوان المحاسبة عن أن التقديرات غير الدقيقة كانت سببًا في رفع عجز الموازنة حوالي 54 مليون دينار أي ما يعادل نسبة 8 %؟، ناهيك عن أن الجهات المعنية "بالغت" في تقدير الإيرادات (8119 مليون دينار) بينما بلغت فعليًا 7425 مليون دينار، و"بالغت" أيضًا في تقدير المنح الخارجية (777 مليون دينار) وهي في الأصل لم تتجاوز الـ708 ملايين دينار.
إن الكثير يجزم بأن تقرير ديوان المحاسبة لم يكن شاملًا أو كاملًا أو واضحًا أو حتى شفافًا بما فيه الكفاية، فهناك الكثير من القضايا لم يتم الإشارة إليها أو غفل عنها لسبب ما، وما انتشار "الرشوة" في بعض مؤسسات القطاع العام، وتغول آخرين على المال العام و"نهبه"، وعدم انتماء البعض للمؤسسات التي يعملون بها أو على الأقل ليس لديهم أدنى انتماء أو حس بالمسؤولية تجاهها، إلا دليلا على ذلك، ويؤكد أن بعض مؤسسات الدولة مقبلة على أوضاع قد لا تُحمد عقباها.
فلا منطق يقبل ولا عقل يتصور أن يتم انتداب موظف لإحدى الوزارات براتب شهري مقداره 900 دينار، وصرف مركبة له نوع مرسيدس حديثة، مع 1400 لتر بنزين (اوكتان 95) شهريًا، من دون وجه حق... فما هو الشيء الذي سيقدمه هذا الموظف لتلك الوزارة؟.
أضف إلى ذلك، صرف سلف لمديرين حكوميين بقيمة إجمالية بلغت نحو 200 ألف دينار، بعضها تم توزيعه كمكافآت وعيديات وبدل وجبات ضيافة، من دون سندات قانونية تُجيز ذلك. في حين بلغ عدد القضايا المنظورة أمام القضاء 8170 قضية، بقيمة تبلغ حوالي 1.7 مليار دينار، مجموع ما تم تحصيله 804 ملايين دينار فقط.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة، هو ما الدافع الذي يجعل الموظف يُقدم على مثل هذه الأفعال؟، التي كان المجتمع قبل فترة وجيزة يلفظها.. فمعلوم أن المواطنين داخل الوطن الواحد هم عبارة عن حلقة متكاملة كل شخص يؤدي دوره وواجبه، في سبيل رفعة وتقدم وازدهار البلاد..  وهذا ما تحث عليه الأديان كلها وكذلك القوانين والدساتير.
والمُلاحظ لحد الآن، أنه لا يوجد قاعدة حقيقية، قابلة للتنفيذ، لملاحقة ومتابعة مكامن الفساد والفاسدين والمعتدين على المال العام، وبالتالي تقديمهم للقضاء لينالوا ما يستحقون من عقوبات.. وأكبر دليل على عدم وجود مثل تلك "القاعدة" ازدياد قضايا الترهل الإداري، والتي أصبحت نوعًا ما "ظاهرة"، فضلًا عن كثرة القضايا التي تتعلق بالفساد الوظيفي.
يجب تفعيل وحدات الرقابة الداخلية في المؤسسات والدوائرة الحكومية، وإعطاؤها صلاحيات كافية لملاحقة وضبط مكامن الفساد والقائمين عليه.. فلا تكفي تصريحات المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الوزراء عمر الرزاز بأن الحكومة ستأخذ ما ورد في تقرير ديوان المحاسبة بمنتهى الجدية وستعمل على تصويب المخالفات، إن لم تكن مقترنة بأفعال تُنفذ وقبل ذلك وجود قرار وإرادة حقيقية للقضاء على الفساد وعرابيه واجتثاثهم.
فالإصلاح الحقيقي يقتضي بمحوره الأساس فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء وبلا "رحمة أو هوادة" وعدم التهاون في تطبيقه، لما في ذلك من خير سيعود حتمًا على الوطن وأبنائه.
بقي أن نشير وللأمانة الى أن القضاء على "الترهل الإداري ومحاربة الفساد والمحسوبية والبيروقراطية" هي مسؤولية مشتركة تقع على كاهل الحكومة، أو بمعنى أصح الحكومات المتعاقبة، التي تتعمد وضع الرجل في غير مكانه المناسب، هذا من جهة.. ومن جهة ثانية تقع أيضًا على الموظف نفسه، فلا يُعقل أن يستهتر الموظف بمؤسسته و"يتنمر" عليها أو يتجرأ على "نهبها"، لمجرد وجود أشخاص، لديهم نفوس مريضة لا تشبع أبدًا، "أوغلوا" في التطاول على المال العام.. وإن كان ذلك مرفوضا ويجب محاربته بشتى الطرق والوسائل.

التعليق