جماعة الإخوان المسلمين تنطوي على نفسها

تم نشره في الأربعاء 5 شباط / فبراير 2014. 03:55 صباحاً
  • بعض قيادات الإخوان المسلمين في مصر يتحدثون من قفص الاتهام إلى أقارب لهم قبل بدء محاكمتهم أول من أمس-(ا ف ب)

ناثان جيه. براون* – (مشروع في العلم السياسي للشرق الأوسط) 29/1/2014


 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما أطيح بمحمد مرسي من سدة الرئاسة المصرية في 3 تموز(يوليو) 2013، كان واضحاً لكثير من المراقبين، ولو ليس جميعهم بالضرورة (1)، أن الإسلام السياسي يدخل حقبة جديدة -على الأقل في مصر، البلد الذي أنجب ما قد يكون النموذج الأكثر نجاحاً لحركة مقاومة إسلامية رسمية، جماعة الإخوان المسلمين. لكنه لم يكن واضحاً أي اتجاه هو الذي ستسلكه تلك الحركة. وبعد ستة أشهر، تصبح ملامح ردة فعل الإسلاميين أكثر وضوحاً بعض الشيء-مرة أخرى إذا ركز المرء على مصر. وهي ردة فعل تدعو للقلق، خاصة بالنسبة لذلك الجزء من الطيف الإسلامي الذي تمثله جماعة الإخوان ومؤيدوها: إن الحركة تظهر علامات على الخضوع لمزيج غريب من عصاب الشك والاضطهاد، والتفاؤل بعيد المدى، وهي ميول عززتها كثيراً بيئة سياسية قمعية، بل وهستيرية في بعض الأحيان. الآن، وصل الاتجاه نحو دمج جماعة الإخوان كحركة سياسية طبيعية – وهي عملية متقطعة كانت تحدث بطريقة قطع خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء طوال ثلاثة عقود- وصل الآن إلى توقف كامل.
في هذه المذكرة، سوف أتكئ على محاولاتي السابقة لفهم جماعة الإخوان من أجل محاولة التحقيق في المستقبل. وليست غايتي في ذلك استخدام الماضي كدليل إرشادي بقدر ما هو لتفسير السبب في اعتقادي بأن المسقبل لن يكون مثل الماضي، ولبيان كيف أن الحياة السياسية المصرية –وجماعة الإخوان كمنظمة- دخلت فعلياً في فترة خطرة.
مشروع "الإخوان" السياسي
منذ أوان إعادة انبعاثها في السبعينيات والثمانينيات، وجدت حركة الإخوان المسلمين نفسها وهي تنجر باطراد، ولو بالتدريج، إلى معترك السياسة. وقد مهد لها التجريب في السياسات البرلمانية الطريق لتشكيل تحالفات مع أحزاب رسمية (كانت جماعة الإخوان محرومة من الشرعية السياسية والاعتراف القانوني قبل العام 2012)، ثم جاء اتخاذ قرار بتشكيل حزب سياسي من حيث المبدأ، مع تأخير التنفيذ حتى يأتي وقت لا يكون فيه التطبيق –كما أخبرني رئيس حزب الحرية والعدالة، سعد الكتاتني في العام 2012- بمثابة "شهادة وفاة" للحركة.
في التسعينيات، ربما تكون الحركة قد أجلت مسألة تشكيل حزب سياسي، لكنها كسبت بالتدريج المزيد والمزيد من الخبرة الانتخابية والبرلمانية. وقد تصاعدت أهمية أولئك من داخل الحركة ممن برعوا في بناء التحالفات، والوصول إلى الدوائر الانتخابية، وابتكار المنابر، والمشاركة في الحياة العامة، بحيث احتلوا مقاعد في مكتب إرشاد الجماعة. لكن الحركة ككل بقيت حذرة إزاء السياسة، جاعلة من السياسة مسألة للضرورة فقط. ولأنهم كانوا يعملون في بيئة لن يُسمح لهم فيها بالفوز أبداً، وصف "الإخوان"غايتهم السياسية بأنها "المشاركة، لا المغالبة". ولم تكن عضوية مكتب الإرشاد، شأنها شأن منصب المرشد العام، تُتاح أبداً لأولئك الأكثر ميلاً إلى السياسية. وقد روى هذه القصة العديد من زملائي، أحياناً بشكل جيد ووافٍ. (2)
ظلت هذه الاستراتيجية مثمرة بشكل رائع حتى مابعد الانتخابات البرلمانية في العام 2005، والتي كسبت فيها جماعة الإخوان خُمس عدد مقاعد البرلمان. ومع الشعور بموجة من الغضب القمعي لدى نظام مبارك، أحس قادة الجماعة بأن دور الحركة السياسي المتزايد كان في الحقيقة يعرضها للأذى. وقد عمدت القيادة إلى تهميش بعض من أكثر أعضائها ميلاً إلى السياسة، وتطامنت من أجل حماية نفسها بطريقة مصممة للحفاظ على سلامة المنظمة خلال الأوقات العصيبة، فيما كان النظام الذي بدا راسخاً يسلط أنظاره بالكامل على المعارضة الإسلامية. ثم، سقط ذلك النظام.
يمكن أن يعزى الكثير من ردة فعل "الإخوان" غير المهيأ لها والمرتجلة على الأحداث في العام 2011 إلى الطريقة التي كانت قد همشت بها أعضاءها الأكثر مهارة من الناحية السياسية. لكن الحركة وجدت نفسها فجأة في كانون الثاني (يناير) 2011 مع احتمال وجود بيئة سياسية جديدة إلى حد الدرامية، واحدة ستصبح فيها المهارات الانتخابية فجأة أكثر أهمية من أي وقت مضى. وفي حقيقة الأمر، انغمس الإخوان في انتخابات باستمتاع وحيوية –وإنما مع استمرار الوعد بأن لا تنسى الحركة لازمتها عن "المشاركة، لا المغالبة"، متحاشية محاولة تحصيل أغلبية برلمانية، ونابذة في البداية السعي إلى منصب الرئاسة، بل ومترددة لوهلة إزاء تشكيل حزب سياسي قبل الشروع في الانغماس.
اندفاعة إيكاروس
في العامين 2011 و2012، بدا أن قرار جماعة الإخوان إعادة التأكيد على السياسة يثمر بشكل رائع في أعين المراقبين الخارجيين. لكن قيادة الجماعة كانت أكثر احتراساً إلى حد ما، ناظرة دائماً خلفها من فوق الكتف بحذر. نعم، استغرقها قدر يعتد به من الفخر بقدرتها على أن تبلي حسناً بالمعنى الانتخابي. وشعر القادة بتبرير للاعتقاد بأنهم يمثلون "الأغلبية الصامتة". ولا شك أنهم لم ينتحلوا مصطلحات ريتشارد نيكسون، لكنهم أبدوا كل العلامات على اعتناقهم فكرة أن الجماعة تتحدث باسم الناخبين المصريين المحافظين، المتدينين المحترمين، وبالتالي، أثاروا استياء النخبة الليبرالية والثرثرات الواهنة للطبقة الانتهازية.
لكن الجماعة وقعت ضحية للدوافع النيكسونية بمعنى أكثر عمقاً: بدأت تحس بنفسها واقعة تحت حصار جهاز دولة معادية ونخبة ثقافية معاً، حتى في الوقت الذي كانت تراكم فيه الانتصار وراء الانتصار في الاستطلاعات. كان القرار بالسعي إلى الرئاسة، والإعلان الدستوري المذهل في تشرين الثاني (نوفمبر)، والرغبة في استخدام العنف ضد الخصوم –للإنصاف، كانت الجماعة ترد غالباً على الهجمات ضد مبانيها وأعضائها ولم تستطع الاعتماد على أجهزة الأمن في الحماية- والاستعدادات للانغماس في الجهاز القضائي، كانت كلها مؤشرات على أن جماعة الإخوان قامت بالتحول إلى حزب حاكم، ومن دون أن تترك عقلية الحصار التي تميزها وراءها. وفي كانون الأول (يناير) 2013، أخبرني صديق للجماعة بأن المزاج داخل الحركة يشبه ذاك الذي ساد في العام 1965 (ربما في إشارة إلى السنة الأقسى في اختبار الجماعة للقمع الرسمي)، مهملاً ذكر حقيقة أن الرئاسة لم تعد الآن في يدي جمال عبد الناصر، وإنما في يدي محمد مرسي. وفي حزيران (يونيو) 2013، أخبرني قائد في الإخوان بتجهم أنه لم يعد يأسف على أي إجراءات اتخذتها الحركة، وقال: "إننا لن نفعلها ثانية فقط، بل سنفعلها مرة وأخرى إذا كان ذلك ضرورياً". وهكذا، اتخذ اعتداد الجماعة بقدرتها على التعلم والتكيف مقعداً خلفياً وراء شعورها بأن الوقت يعمل لصالحها وضد أولئك من خصومها المنافقين. وفي نسيان (إبريل) 2013، لاحظت أن "استجابة الحركة للفرص السياسية المعروضة عليها، مع كل سمعتها المكتسبة عن جدارة بالتزام الحذر، زاوجت بين رؤية استراتيجية غامضة وبين سلسلة من القرارات المخصوصة بشأن كيفية خوض الانتخابات، والحملات الهيكلية، وتشكيل التحالفات، والسعي إلى منصب الرئاسة، والسياسات التي تتنكر باطراد لفكر تسرع اندفاعة إيكاروس أكثر من توخيها الدقة المنهجية التي ينبغي أن يتميز بها لاعب الشطرنج الماهر". (4)
الإسلام السياسي بعد الانقلاب
كان ينبغي أن لا يشكل انقلاب 3 تموز (يوليو) مفاجأة، لكنه فعل ذلك بكل تأكيد. لقد وقفت قيادة الإخوان أمام قاطرة قادمة وهي مقتنعة بأن القاطرة لن تصل -أو أنها إذا فعلت، فسيمكن تفادي الضربة والحياد عن طريقها. وعندما حدث أن تمزقت القيادة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في البلاد وتفرق شملها بدلاً من ذلك، لم تعرف الحركة كيف تتصرف وكيف ترد. وينبغي أن تقودنا حقيقة أن الاصطدام اصطاد القيادة في لحظة لم تكن فيها مستعدة، إلى نقطة تضيء كيفية دراسة بيئة ما بعد الانقلاب، وإلى إجراء تحول جزئي مهم في الكيفية التي ينبغي بها تحليل الدور السياسي للحركة.
كنت قد ذهبت في مواضع أخرى إلى القول بأن تفسير سلوك الحركات الإسلامية يجب أن يركز أقل قليلاً على نوايا القادة، في حين يضع تركيزاً أكبر على البيئة التي تعمل فيها تلك الحركات. وما أزال أعتقد بأن هذه الأطروحة صحيحة بشكل عام. كنت قد ختمت كتابي في العام 2012 حول الحركة بالملاحظة التي تقول إن المشكلة "لا تكمن في قدرتهم على التعلم (التي تظل مثاراً للإعجاب). لكن المشكلة تكمن في الدروس التي تعلموها" (5)، لكن من الواضح الآن أن القيادة كانت قد استوعبت درساً مريراً في الحقيقة، وأن الطبيعة القوية لتلك الخبرة –خبرة الهزيمة القاسية لمشروع الإخوان السياسي- مصحوبة بطبيعة هيكل الجماعة المحكم الذي ينظر إلى الداخل، يقترحان الآن أننا نحتاج إلى بذل بعض العناية الإضافية لتفحص هيكلية الجماعة واختياراتها. وفي استعارة غير جذابة ولا فاتنة، كنتُ قد اقترحت أن جماعة الإخوان تتصرف بشكل يشبه قليلاً أنبوباً لمعجون الأسنان، والذي يعيد قولبة شكله استجابة للضغط الخارجي؛ إنني أفكر الآن بأن أحداث السنة الماضية قامت بتجميد ذلك الأنبوب بطريقة ربما سيدفع الجيل القادم من أعضاء الجماعة ومن المصريين ثمناً باهظاً له (ربما باستمرارية ثابتة، للأسف). بل أعتقد أيضاً أنه ليس ثمة أي معنى في محاولة دخول مناقشات وجدالات حول ما ينبغي أن يقوم به"الإخوان"، كما لو ان الحركة الآن في مزاج تكتيكي، وتحاول معرفة كيفية معاودة الدخول في عملية سياسية قائمة وراسخة. إن جماعة الإخوان تعمل الآن في بيئة تجري فيها حساباتها وفقاً لشيء آخر غير المنطق الذي فرضته الرغبة في العودة إلى المناورات السياسية للعقدين الماضيين.
إن هيكل المنظمة الخاص ونظرتها إلى العالم هما اللذان يحددان الطريقة التي تفهم بها –وتتفاعل بها- مع البيئة السياسية. في الوقت الحاضر، تجتمع البيئة الخارجية ودوافع الحركة وتنظيمها الخاصين لدفع الجماعة بقوة في اتجاه مزيد من الانسحاب وعصاب الارتياب والخوف، استناداً إلى المزيج من القمع القاسي، والنبذ الاجتماعي، والانطواء التنظيمي، والشعور بالتعرض للخداع، والتفاؤل طويل الأجل بأن الله والناس سوف يكافئون الصالحين الذين هم على حق في نهاية المطاف.
دعونا نتأمل كل واحد من هذه العوامل على حدة. لا شك أن للقمع القاسي بُعد بالغ الوضوح: إن قيادة الحركة وجزء من كوادرها قد حوصروا، وقدموا للمحاكمة، أحياناً بتهم منافية للعقل، وينبغي أن يعود الأعضاء الآن إلى الالتقاء بالسر مرة أخرى–إذا ما فعلوا ذلك أصلاً. لكن هناك شيء أكثر اتساعاً، والذي سيجعل اللحظة الراهنة تترك بصمة عميقة على المنظمة: لقد تعرض الآلاف من أنصار الحركة للقتل. وفي محادثات عديدة، سمعت قصصاً مروعة من أولئك الذين كانوا حاضرين في ميدان رابعة العدوية والمواقع الأخرى، الذين حملوا الجثث، وشاهدوا الأصدقاء وهم يصابون بالرصاص، ورأوا سفك الدم الكبير. ويشير استخدام الإشارة بالأربعة أصابع إلى أن يوم 14 آب (أغسطس) 2013 كان لحظة مفصلية بالنسبة لجماعة الإخوان، لحظة ما تزال تنحفر عميقاً في الذاكرة الجمعية للمنظمة.
يقودنا ذلك إلى السمة الثانية للحظة الراهنة. إن الحركة لا تعاني من مجرد القمع السياسي فقط، وإنما من النبذ الاجتماعي أيضاً. وتبدو الكراهية للإخوان المسلمين، والتي يعبر عنها الكثيرون جداً في الحياة العامة المصرية (وحسب خبرتي، انعكس ذلك في الأحاديث الخاصة أيضاً) تبدو كراهية ساحقة وغير مسبوقة. وباختصار، أصبحت الذاكرة الجمعية الخاصة بفكرة الاستشهاد، والتي كانت بارزة جداً في الحركة، أصبحت الآن ذاكرة لا تتقاسمها الحركة مع معظم أجزاء المجتمع(6). وفي الحقيقة، وفي كل المجالات العامة غير الإسلامية تقريباً، تتماهى قصة ميدان رابعة بشكل جيد مع قصة مختلفة تماماً: قصة إلحاق الهزيمة بالإرهاب. ويغلب أن يجد أولئك الذين درسوا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني منطقة مألوفة في مثل هذا الإحساس غير المشترك بشعور الضحية، لكن هذا الواقع يشكل خبرة جديدة بالنسبة لجماعة الإخوان، ويتسبب للمجتمع المصري بالقلق. لقد أصبح من غير الممكن الآن إنكار أن الجماعة أصبحت تعاني من مشكلة عميقة، ليس مع الحُكام فقط، وإنما مع الناس الذين تسعى إلى قيادتهم وتوجيههم أيضاً.
لكن هذا النبذ ليس كلياً، وهو ما يأتي بشيء أكثر إثارة للقلق. في داخل بعض أوساط المجتمع المصري، سوف تجد جماعة الإخوان شعورها بدور الضحية مبرراً. وقد أدهشني في أحاديث خضتها في مصر الشهر الماضي مع مجموعة متنوعة من الشخصيات في المؤسسات الدينية (المساجد والأزهر) كم كان فحوى المناقشات مختلفاً عن تلك المناقشات التي تجري بين عامة الناس. هناك معارضة عميقة لجماعة الإخوان بين البعض في الأزهر بكل تأكيد، لكن هناك أيضاً ثقافة فرعية داعمة واسعة داخل هذه المؤسسة، كما هو الحال في أجزاء أخرى من المؤسسة الدينية. وعلى سبيل المثال، لم يتمكن أحد الأئمة الكبار الذين تحدثت معهم من العثور على مصطلحات مناسبة للإشارة إلى أحداث الصيف الماضي بأي طريقة واضحة، كاشفاً عن شعور بعدم الراحة حول ما إذا كان سيشير إلى "3 حزيران (يونيو)" أم إلى "3 تموز (يوليو)". لقد ارتقت التسمية البسيطة للتاريخ في الواقع إلى مرتبة التصريح عن الولاءات السياسية، وكان الإمام يعلم أنه سيثير حفيظة طرف ما بغض النظر عما يقوله. (خارج مثل هذه الدوائر، صادفت عدداً قليلاً من المصريين الذين  يقلقون كثيراً من احتمال التحدث بطريقة تثير الحفيظة). وقد ظهر مفتٍ تلفزيوني بارز جداً ومسؤول سابق بارز في وزارة الشؤون الدينية، سالم عبد الجليل، في شريط فيديو وزعه الجيش، وبدا أنه يعبر فيه عن دعمه للإطاحة بمرسي. لكنه أصدر بياناً بعد إطلاق الفيديو، أوضح فيه أنه لم يكن يقصد اتخاذ مثل هذا الموقف السياسي (على الرغم من أنه يكاد يكون من المؤكد أنه كان مؤيداً قوياً للانقلاب)، وذكر أن لديه أفرادا من أسرته المقربين الذين تواجدوا في تظاهرة ميدان رابعة. وهكذا، ومع أن مصر لم تشهد حرباً أهلية، فإن ثمة ندوباً اجتماعية فيها تحمل فعلياً بعض الشبه بأوقات الانقسام الاجتماعي العميق. وسوف تجد الأقلية الساخطة التي تعاني الشعور بالمرارة مساحات آمنة للعناية بشفاء جراحاتها ومظالمها.
ثالثاً، من المرجح أن الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان –الذي خدمها جيداً في الأوقات شبه الاستبدادية في الماضي، ثم في تسلسل الأحداث الذي تلا 25 كانون الثاني (يناير)-سوف ينطوي الآن وينسحب إلى الداخل. كما يرجح أن الهيكل (7) القائم على روابط شخصية قوية جداً –والذي يستدعي، حرفياً، استعارة "العائلة"- سوف يفضي في الفترة القمعية الحالية إلى قدر كبير من الانطواء التنظيمي (إذا كان بالوسع تكييف مصطلح كليفورد غريتز عن الزراعة الإندونسية وتطبيقه في سياق بالغ الاختلاف). سوف يرتد أعضاء الإخوان على بعضهم بعضاً، وسوف  يكون التجنيد صعباً في الحقيقة، وستصبح روابط الثقة والانضباط أكثر شدة وإحكاماً. هذه السمات –التي كانت قد جعلت من الجماعة منظمة هائلة، وإنما أيضاً منظمة يصعب على أي نظام، ناهيك عن واحد شبه استبدادي أو طامح للديمقراطية، أن يدمجها- يرجح أن تعمل بقوة أكبر في السنوات القادمة. سوف تنجم من هذه التجربة منظمة أصغر حجماً وأكثر شراسة.
رابعاً، لا تشعر جماعة الإخوان المسلمين فقط بأنها محاصرة وتقابَل بالتجهم، وإنما تشعر بأنها قد تعرضت للغش أيضاً. قدمت أداء جيداً في انتخابات برلمانية ثم شهدت البرلمان وهو ينحل؛ وكتبت دستوراً وفقاً للقواعد التي وافق عليها الناخبون المصريون، وشهدت تلك الوثيقة وهي تُمزق إرباً؛ وكسبت انتخابات رئاسية، لكنها شهدت رئيسها وهو يطاح به على يد جنرال كان قد اعتمد عليه. وبينما تظل الجماعة بطيئة في الاعتراف بأي أخطاء، فيرجح أنها ستخلص إذا ما أجرت في أي وقت بعض النقد الذاتي، ومع بعض المبررات إلى ادعاء أن كل شيء يمكن انتقادها على قيامها بفعله، كان قد وقع عليها مثله عدة مرات متكررة.
أخيراً، لطالما عزز "الإخوان" دائماً في أوساط أعضائهم شعوراً من التفاؤل بعيد المدى، والذي يعتمد على موقف مشجع قائم على أن الله يعلم البر، بحيث سينتصر الصالحون في نهاية المطاف. أنا لا أقصد القول بأن جماعة الإخوان تعيش وتزدهر بكونها مظلومة ومقموعة -أعتقد أن أعضاءها يعانون كثيراً الآن، ولا يستمتعون على الإطلاق في اللحظة الراهنة - ولكن المرارة ليست كاملة، إنها مصحوبة بإيمان بأن أولئك الذين يتبعون طريقاً يستند إلى الحقائق العليوية لا يترتب عليهم دائماً انتظار الآخرة لتلقي مكافأتهم. وكما قال لي أحد أنصار الإخوان، وإنما ليس العضو في الجماعة، في الشهر الماضي: ليس هنا كأي مصري عارض الانقلاب ثم تحول إلى دعمه؛ لكن هناك البعض الذين أيدوه، ثم أصبحت تساورهم الشكوك الآن. بالنسبة له، فإن الوقت يعمل إلى جانب الفاضلين. ومع أن لدي شخصياً شكا قويا في فكرة أن الأحداث تسير في مصلحة جماعة الإخوان، فإن أعضاء الحركة يعرضون القليل من الشكوك إزاء ذلك. ثمة شعور قوي من القناعة الداخلية الهادئة يصاحب شعوراً ضاغطاً بالظلم، والذي يصنع شراباً مسكراً بشكل ما.
لا أعرف ما يعنيه كل هذا بشكل ملموس، لكنني أعتقد أن القليل من الخير يمكن أن يأتي من ذلك. وقد أذهلتني الطريقة التي لا يبدو فيها موقف جماعة الإخوان في بعض موجات القمع السابقة -التشمير عن ساعد الجد وتحمل الوضع، مع التركيز فقط على النفس- وأنه هو الذي يوجه المنظمة الآن. نعم، إن الحركة تنسحب إلى داخل ذاتها، لكنها لا توجه أعضاءها إلى التراجع والانسحاب من المجتمع، أو حتى من السياسة. إنها تلعب دور طرف خارجي غاضب، لكنه نشط. وما يزال الموقف ضد الشروع في العنف عميقاً فعلاً. ولا أقصد الإلماح إلى أن جماعة الإخوان المسلمين غير قادرة على ارتكاب العنف. إنني أعني فقط أن صورتها الذاتية هي صورة لحركة سلمية إذا كانت تستطيع استخدام القوة دفاعاً عن النفس، وأن هذه الصورة الذاتية توجه سلوك الحركة بطريقة تجعل من احتمال حدوث تمرد واسع النطاق لجماعة الإخوان أمراً مستبعداً جداً.
على أغلب الظن، سوف تلعب الحركة نوعاً من دور المفسِد، وتشكل وجوداً معادياً ضخماً خارج السياسة الرسمية، وهو ما سيكون "بعبعاً" مفيداً لجهاز الأمن القاسي في مصر، ومحوراً للانقسام داخل المجتمع، وهي التي كان لديها دائماً شعور مبالغ فيه بتجانسها الخاص، مع وجود القليل من الأدوات والآليات للتعامل مع الخلافات العميقة.
*Nathan J. Brown أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وزميل رفيع غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومؤلف كتاب "عندما لا يكون النصر خياراً: الحركات الإسلامية في السياسة العربية." (2012).
*للاطلاع على الأصل الإنجليزي لهذا المادة، اتبع الرابط: http://pomeps.org/2014/01/29/the-brotherhood-withdraws-into-itself/
*تم إعداد هذه المذكرة لمؤتمر "إعادة النظر في السياسة الإسلامية"، الذي انعقد في 24 كانون الثاني (يناير) 2014.
*نشرت هذه المذكرة تحت عنوان: The Brotherhood Withdraws Into Itself

هوامش
(1)    كنت قد شاركت مؤخراً في ندوة على الإنترنت حول مستقبل الحركات الإسلامية مع مجموعة من العلماء الآخرين الذين لا أحترم عملهم فقط، وإنما غالباً ما اعتمدت عليه أيضاً. وقد وجدت نفسي ناشزاً إلى حد ما في موضوع الإطاحة بمرسي. انظر نقاش "جدلية" الذي اتخذت فيه الموقف الأقوى. "مائدة مستديرة حول مستقبل الإسلام: نقطة انطلاق، Jadaliyya، 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013.
(2)    لعل العمل الأكثر شمولية حول الفترة السابقة، ولو أنه ليس العمل الوحيد، هو كتاب كاري ويكهام  Mobilizing Islam (مطبعة جامعة كولومبيا، 2002)، وسوف ينضم إليه قريباً كتاب عبد الله العريان Answering the Call: Popular Islamic Activism in Egypt (مطبعة جامعة أكسفورد، 2014 ). وقد حاولت أن أسهم في تشكيل فهم للفترة الأكثر قرباً في كتاب When Victory is Not an Option: Islamist Movements in Arab Politics (مطبعة جامعة كورنيل، 2012 )؛ ساهم ويكهام أيضاً بكتاب:The Muslim Brotherhood: Evolution of an Islamist Movement، (جامعة برنستون الصحافة 2013 ).
كما من المفيد للغاية أيضاً قراءة ميشيل بورز: Political Ideology in the Arab World، (مطبعة جامعة كيمبريدج، 2009) ؛ وفيه يتمكن بورز من إظهار كل من واقع وحدود الحوارات عبر الأيديولوجية في السياسة العربية في فترة ما قبل انتفاضات العام 2011.
(3) كانت تلك وثيقة كنت قد لخصتها في مزاج غير متسامح، والذي بلغ حد القول: "أنا، مرسي، وأنا مطلق القوة. وفي أول عمل لي كشخص مطلق القوة، أعلن نفسي أقوى من ذلك أيضاً"، في مقالة كريم فهيم وديفيد كيركباتريك: "الاشتباكات تندلع بينما يصادر مرسي صلاحيات جديدة في مصر"، نيويورك تايمز، 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012.
(4) "Islam and Politics in the New Egypt,"Carnegie Paper April 2013, p. 8.
When Victory is Not an Option, p. 255.(5)
(6  أنا مدين بهذه الملاحظة للينا عطاالله.
(7) أفضل الأعمال حول هيكلية جماعة الإخوان هي ذات التوجهات الأكثر تاريخية، بما في ذلك عمل ريتشارد ميتشل The Society of Muslim Brothers (مطبعة جامعة أكسفورد، 1993) وعمل برينيار ليا، The Society of Muslim Brothers in Egypt (مطبعة إيثاكا، 2006 )، وقد حاولت أن أبين المضامين السياسية لهذه الهيكلية في كتابيWhen Victory Is Not an Option.
- انظر المزيد على الرابط: http://pomeps.org/2014/01/29/the-brotherhood-withdraws-into-itself/ # sthash.P7hyZwrv.dpuf

ala.zeineh@alghad.jo

alaeddin1963@

التعليق