عيسى الشعيبي

كيف يكوّن الكاتب رأيه؟

تم نشره في الجمعة 7 شباط / فبراير 2014. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 7 شباط / فبراير 2014. 02:07 مـساءً

لعل ما يميز المشتغلين بالفنون والإبداع، بكل صنوفهما وفروعهما، لاسيما المتربعين في الصف الأول، أن لدى هذه الكوكبة عينا ترى ما لا تراه عيون غيرهم، وذهنية نقدية متيقظة لا تمر مرور الكرام على ما يحيط بهم من وقائع، ولا يغيب عنها ما يلتبس على الكافة من تطورات تجري تحت أنوفهم بتلقائية لا تلفت الانتباه، ولا تستوجب الفحص والمراجعة.
وينطبق هذا التشخيص الأولي على الكُتّاب الصحفيين بصورة خاصة؛ هؤلاء الذين تحاكي حالهم حال الحارس الليلي في المناطق النائية، أو المنقب عن الآثار في الخرائب والقبور الدارسة. وليس من المبالغة القول إن لدى نفر من الكُتّاب مجسات استشعار خاصة، تلتقط الإشارات عن بعد؛ تتحسب لكل شاردة، وتُشعل الضوء الأحمر في الوقت المناسب.
وعلى غير ما يعتقد كثيرون، من أن الكاتب ينبغي أن يكون محايداً، على غرار المراسلين الصحفيين ومعدّي التقارير الإخبارية؛ وأن عليه أن يأخذ موقفاً يتموضع من خلاله في نقطة المنتصف بين الآراء المتعارضة، فإن على الكاتب الحقيقي أن يتجنب المنطقة الرمادية، وأن يعبر عن وجهة نظره بموضوعية، حتى وإن كان ذلك لا يرضي بالضرورة سائر أطراف المسألة الخلافية المثارة. وعليه، فإن السؤال هو: كيف يكوّن الكاتب الصحفي رأيه، ويبني عليه موقفاً مستقلا قد يجلب عليه اللوم، أو يسبب له خصومة، لاسيما إذا كان سقف الحرية مرتفعاً، وكان من الهاجسين بشعار "الحياة موقف" وهو يخوض غمار موضوعات إشكالية، حيث لا يحظى رأي الأقلية المخالف عادة باستحسان الأكثرية الشعبية المفعمة دائماً بحسن النية؟
أحسب أن الكاتب الذي يحرص على صورته الذهنية المنطبعة عنه لدى المتلقين، ويرغب في أن يكون بمستوى التوقعات منه عبر إطلالاته المنتظمة، يستمد رؤيته وتقويمه للوقائع والمجريات التي تحيط به وبمن يخاطبهم، من مصدرين أساسيين، هما: خبرته القائمة على تجربة شخصية تراكمت في مدى زمني معقول؛ وقراءته الاستشرافية الحاذقة لشتّى العوامل والمتغيرات المتصلة بموضوعه قيد التداول.
ومع أن هناك منظومة واسعة من القيم والمبادئ والمفاهيم، ناهيك عن مجموعة من الاعتبارات الذاتية والموضوعية، تشكل في وقت ما، وتعيد تشكيل موقف الكاتب في وقت آخر، إزاء مسألة بعينها مطروحة على مائدة النقاش العام، إلا أن الخبرة المتراكمة، والقراءة المتأنية لعمق وأبعاد حدث طارئ، تظلان بمثابة الركيزتين القويتين اللتين تنهض عليهما مقاربة المشهد الذي يرتسم في وعي الكاتب، ثم يستقر في داخل ضميره، أو قل لدى سيده الوحيد صاحب السلطة المطلقة على قلمه.
وليس من شك في أن الكاتب السياسي يحمل وزراً أخلاقياً يفوق غيره من الكتاب المتعاطين مع شؤون الواقع اليومي وشجونه المتفرقة، لاسيما وأنه يخاطب أولي الأمر وأوساط النخبة الثقافية، ويتعاطى مع قضايا ذات حساسية عالية، مما يضعه في بؤرة ضوء ساطعة، تحسب عليه كل كلمة، وتعد عليه أنفاسه بدقة. وبالتالي، فإن خطأه والحالة هذه، لا يُقابل بالتسامح والعفو، وسوء تقديره لا يسمح بالمجاملة. خذ على سبيل المثال هذا التباين الشديد بين مواقف الكتّاب إزاء الأزمة السورية الدامية، أو حيال مبادرة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أو التطورات المصرية المتفاعلة؛ إذ تجد المتقابلين على جانبي متراس الرأي والرأي الآخر، يصدرون، كل على حدة، عن قناعات ذاتية راسخة، تكونت لديهم على خلفيات فكرية متعارضة، تخالطها حيناً شبهة الرغائبية وأحيانا مثلبة الانتقائية، ودع عنك المصلحية، وذلك في خضم معركة بلاغية صاخبة لاستمالة الرأي العام لهذا الموقف أو ذاك.
إزاء ذلك كله، فإن الكاتب وهو يخط مقاله، يكون قد كوّن رأيه سلفاً، وأعدّ عدّة دفاعه عن وجهة نظره جيداً، معتمداً في ذلك على معاييره الذهنية الخاصة، التي أرست دعائمها التجربة المتراكمة، والقراءة الموضوعية الباردة، تلك التي سبق له أن اختبر قوامها من قبل، في معمعان هذه المهنة المتعبة. الأمر الذي يتيح للقارئ الإطلالة على حديقة متنوعة الأزهار كل يوم، أو ربما التروض على مهل في بستان فواكه مختلفة المذاق في كل صباح.

issa_alshuibi@

التعليق