رنا الصبّاغ

ريما خلف وإشكالية الهوية والثقافة والإصلاح الديني في العالم العربي

تم نشره في الأربعاء 26 شباط / فبراير 2014. 01:05 صباحاً

تونس – د. ريما خلف الهنيدي، الاقتصادية-السياسية الأردنية التي اختارتها صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية ضمن 50 شخصية مؤثرة في العالم، رسمت ملامح العقد الماضي بحلوه ومُره؛ إذ فتحت الباب على مصراعيه مرة أخرى، أمس، أمام حوار عن واقع المنطقة العربية ومستقبلها، من خلال إطلاق تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، بعنوان "التكامل العربي سبيلا لتحقيق نهضة إنسانية".
د. خلف، الأمين التنفيذي لمنظمة الإسكوا منذ أربع سنوات، أشرفت على مدى عامين على إنجاز هذا التقرير مع طيف واسع من المفكرين العرب، من مختلف الألوان السياسية؛ إسلامية وعلمانية، قومية ويسارية. ويرى ساسة عرب وأجانب ونشطاء شاركوا في حفل إطلاق التقرير من تونس -بحضور الرئيس التونسي المنصف المرزوقي- أنه الأكثر جدلا في تاريخ "الإسكوا" منذ تأسيسها قبل أربعة عقود، بعضوية 17 دولة عربية في غرب آسيا، ضمنها الأردن، ولبنان، وسورية، والعراق، والسعودية، والبحرين، وقطر.
قبل ذلك، فجّرت د. خلف حوارات قومية وعابرة للقارات، عندما شغلت بين العامين 2000 و2006 منصب الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، ومديرة المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. إذ حينها، أطلقت سلسلة تقارير حول التنمية الإنسانية العربية، كشفت عجزا في الحريات السياسية، وتهميشا للمرأة- نصف المجتمع، وضمورا في التعليم والثقافة، وفجوة معرفة رقمية. وحين أضحت أول امرأة تشغل موقع نائب رئيس وزراء في العامين 1999 و2000، تركت د. خلف في الأردن بصمات على خطط التحول الاقتصادي والإصلاح الذي رفع لواءه الملك عبدالله الثاني، قبل أن يتعثر في العديد من جوانبه مع مرور الوقت.
تقارير هذه السلسلة، كحال آخرها الذي أطلق يوم الثلاثاء، تكتسب أهمية استثنائية، لأن مؤلفيها عرب يمثلون التيارات السياسية والمعرفية كافة؛ إسلامية وعلمانية، قومية ويسارية. وهي مهمة أيضا لأنها تشخّص إمكانية أن يبحث العرب عن عوامل تجمعهم بعيدا عن التفرقة، وأن توفر حلولا قصيرة وطويلة الأمد، بشرط الإقرار بوجود هذه التحديات، بدلا من وضعها تحت السجادة والتظاهر بأننا نعيش في المدينة الفاضلة.
التقرير الأخير جريء بوضوحه وصراحته، ويتزامن مع تناسل نعرات التعصب الديني والمذهبي التي تؤجج النزاعات والهوس الديني، وتمزق الهوية الثقافية الوطنية في غالبية أقطار الوطن العربي. كما توقظ أطراً بدائية للانتماء: القبيلة والعائلة والدين والطائفة. ويتعمق التراجع المرعب في كل دولة عربية.
لتحقيق النهضة الإنسانية في العالم العربي، تحتاج المنطقة -وغالبية أنظمتها ذات طابع شمولي- إلى إصلاح بثلاثة أركان: سياسي-حوكمي، واقتصادي، وثقافي تعليمي.
سياسي يحقق مشاركة شعبية، وحرية، وعدالة اجتماعية، وكرامة. وهذه جميعها شعارات الثورات والانتفاضات التي تهز المنطقة منذ الإطاحة بنظامي حكم زين العابدين بن علي التونسي وحسني مبارك المصري في العام 2011. وتنمية اقتصادية حقيقية، تمهيدا لقيام وحدة اقتصادية عربية كاملة، أسوة بالاتحاد الأوروبي. وثالثا، إصلاح ثقافي وتربوي "يعيد إحياء ثقافة الإبداع، ويصلح ما أفسدته عصور الانحطاط والاستبداد في الفكر والعلم والأخلاق والقيم، ويفكك البنى الفكرية والثقافية المحركة لنزعات الانغلاق والتطرف".
والأهم، نهضة ثقافية تشجّع البحث والفكر النقدي، والعودة إلى الإسلام الحقيقي، لإبعاد المنطقة عن شبح التطرف والانغلاق الفكري والديني.
فتلك الأجواء هي التي أنبتت "القاعدة" وبعدها "دولة الإسلام في العراق والشام" (داعش)، وغيرهما من تنظيمات التكفير وبث روح الحقد والكراهية. وهذا الانحطاط الفكري الذي بات ينخر المجتمعات العربية، هو نتاج عقود من الاستبداد السلطوي، وتغييب المنطق في النظام التعليمي الكارثي، لتجهيل الشعب وإقحام الدين في السياسة، بغياب أي مراجعات تتناول أصول الدين والفقه والاجتهاد.
تحقيق نهضة إنسانية متكاملة يتطلب، أيضا، توحيد الإرادة المجتمعية، وخلق أجواء علمية تحفز الإبداع والتفكير خارج الصندوق، وتعزّز من إمكانات وطاقات مكونات المجتمع وتوحدها خلف رؤية ورسالة واحدة وواضحة الأهداف، تعيد بناء هوية وثقافة جديدتين.
في التقرير تشخيص دقيق للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتشارك فيها الدول العربية، قبل وبعد رياح الثورات والانتفاضات المطالبة بـ"عيش، حرية، عدالة اجتماعية" ومحاربة الفساد والمفسدين. وهو يوفر حلولا توافقية لقادة المنطقة وشعوبها، صوب مستقبل أكثر أمنا واستقرارا، لكن بعد معالجة المشاكل الرئيسة التي أدت إلى تدهور الأمن القومي والإنساني، وبروز الاقتتال العرقي والطائفي وصراع الهويات الفرعية الضيقة.
يوضح التقرير كمّ التحديات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعاني منها العرب. لكنه يطرح مفاتيح عملية لحفز النهضة الإنسانية المطلوبة، وطريقة دعم ذلك من خلال تعزيز التكامل العربي. فالإمكانات موجودة، لكن القرار غائب.
في الجانب المعتم، فشل العرب في التعامل مع التحديات الخارجية المتعاظمة، بسبب غياب الإرادة السياسية، والتشرذم، كما غياب الحد الأدنى من التكامل الاقتصادي والتكافل الإنساني. كل ذلك سمح باستباحة الدماء من خلال احتلالات، خصوصا الاحتلال الإسرائيلي. ونجحت تدخلات دول غربية، حال دول عربية مدعومة بأجهزتها الاستخبارية، في خلق توترات عرقية وطائفية؛ في العراق وسورية مثلا. كما فشل العرب أيضا في التعامل مع أزمة ثقافية تأخذ أشكالا متعددة من مظاهر التحجر الفكري والانغلاق، وإقصاء الآخر، ورفض التعددية بأشكالها كافة. تحقيق نهضة إنسانية، يحتاج إلى فك شيفرة طلاسم العلاقة بين الثقافة/ التعليم والدين وانتهازية السياسة.
التقرير يكشف مثلا عن تهريب 111 مليار دولار من الأموال المنهوبة كل سنة، ما يحرم المنطقة من أموال يُفترض أن تُضخ في مشاريع لتحقيق تنمية اقتصادية وإنسانية مستدامة. ويحذر من وجود نصف مليون طفل في اليمن، ومليون طفل في الصومال، مهدين بالموت بسبب الجوع! والعرب يشكلّون 5 % من سكان العالم، لكن أكثر من نصف لاجئي العالم يخرجون من هذه المنطقة (الصومال، والسودان، والعراق، وفلسطين). وإذا أضيف لهم لاجئوا الحرب في سورية، فستتخطى النسبة حاجز 60 %. وقد تراجعت معدلات الإنتاج الصناعي عما كانت عليه في الستينيات من القرن الماضي. ويأسر الفقر خُمس السكان، رغم الثراء الفاحش على السطح. 
مقابل هذه الصورة السوداوية، فإن تقليل تكلفة النقل 5 % سنويا في الدول العربية مجتمعة من اليوم ولغاية العام 2020، وتقليل القيود على تنقّل العمّال بين الأقطار العربية، سيوفر 750 مليون دولار وستة ملايين فرصة عمل لجيش الباحثين عن العمل، سواء في الدول النفطية أو فقيرة الموارد، في منطقة ربع شبابِها وخُمس نسائها محرومون من عمل يوفر لهم عيشاً لائقاً.
باختصار، تلازم القمع والفساد قوّض قدرة المجتمع على العطاء، وبات الناس مشغولين إما بكيفية تجنب المظالم، أو في جني المغانم.
التقرير يشخص الواقع ويقدم حلولا عملية. لكن حلول تحتاج إلى قادة ذوي بصيرة، قادرين على تعليق الجرس باتجاه الإصلاح الشامل والمتداخل المطلوب، ومجتمع يتقبل التعددية والانفتاح على الآخر، ويستخدم المنطق للتعبير عن رأيه.
النهضة العربية مطلوبة، وهي ليست مستحيلة. لكنها تحتاج إلى إصلاح على الجبهات كافة، والتوافق حول صورة المستقبل الذي نريد، بالاتكاء إلى قرارات سياسية جريئة، ونهضة إنسانية، وإصلاحات متعددة، وامرأة تتساوى مع الرجل في الحقوق القانونية والسياسية.
العالم العربي أمام طريقين: التكلس في أجواء العصور الوسطى، أو الانتقال إلى المستقبل بخطى واثقة.

 

rana_sabbagh@

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المسكوت عنه (Khalid)

    الأربعاء 26 شباط / فبراير 2014.
    بعد الاطلاع على تقرير الاسكوا الصادر هذا الاسبوع حول "التكامل العربي" وجدته متوازنا الى حد كبير في اشكاليات الهوية والثقافة والتحديث والاصالة ودور الدين في التكامل والنهضة العربية، ربما على عكس مراجعة التقرير. فتقرير الاسكوا ينوه الى دور الدين في التكامل الثقافي العربي الى جانب اللغة، ويشير الى كونه مكونا اساسيا في النسيج الثقافي والوجداني للعرب، الى جانب دور قيم الدين في العمل الخيري الاهلي. كما ان تقرير الاسكوا المتوازن لا يتجاهل الاشارة الى الاصولية العلمانية والاستبداد المرتبط بها، وينوه الى "التحديث المستبد" وكذلك الى "الحداثة الشكلية" والتي تتجاهل الخصوصية الثقافية لهذه الامة.