السيسي الذي لا يُقهر: لماذا لن يخاف رئيس مصر القادم من قيام ثورة؟

تم نشره في السبت 1 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • مصريون مؤيدون للمشير عبد الفتاح السيسي والجيش - (أرشيفية)

إيريك تراغر، جلعاد وينيغ* - (فورين أفيرز)


ترجمة: علاء الدين أبو زينة

صعود وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي السريع من بيروقراطي عسكري غامض إلى معبود وطني يعكس المزاج الشعبي المصري، الذي يرغب بعد أكثر من ثلاث سنوات من الفوضى السياسية المستمرة قدوم الاستقرار في شكل رجل قوي. لكن صعود السيسي المفاجئ يعكس أيضاً مزاجية المصريين: إذ يمثل السيسي 180 درجة من الاختلاف الإيديولوجي عن محمد مرسي؛ الزعيم الإخواني الذي انتخبه المصريون بأغلبية قبل أقل من سنتين، ثم أسقطوه بعد 12 شهراً. ولذلك، لا ينبغي أن يكون يتفاجأ أحد إذا ما تضاءل الدعم الذي يتمتع به السيسي سريعاً بعد وصوله إلى الرئاسة وتعرض مصر لاحتجاجات واسعة مرة أخرى. (مما لا يساعد الأمور أن لا تكون لدى السيسي، مثل أي شخصية مصرية أخرى تقريباً، أي إجابات واضحة عن مشكلات البلاد الاقتصادية المهمة، ومعدلات البطالة العالية في صفوف الشباب، والسياسات الإقصائية).
لكن ذلك لا يعني أن السيسي سيواجه المصير نفسه الذي آل إليه مرسي. وحتى لو واجه السيسي انتفاضة، فإن هناك أسبابا جيدة للاعتقاد بأنه سيكون أكثر إمكانية للديمومة من سلفه المخلوع، كما أنه سيكون أكثر قدرة على الصمود من بقية المرشحين المحتملين للرئاسة المصرية أيضاً.
رغم أن ظاهرة عبادة شخصية السيسي مستمدة من دوره المعلن في إسقاط مرسي يوم 3 تموز (يوليو)، فإن مكانته كرجل دولة هي التي تجعل منه مادة رئاسية في أعين الكثير من المصريين. باستثناء مرسي، كان كل رأس دولة منذ ثورة الضباط الأحرار في العام 1952 قد برز إما من الجيش أو من الجهاز القضائي، وغالباً ما يعزو أولئك الذين دعموا الانتفاضة التي تحولت إلى انقلاب إخفاقات مرسي كرئيس إلى حقيقة أنه "رجل الجماعة". ومع كون العنف في صعود، بما في ذلك تزايد الهجمات الإرهابية التي يشنها الجهاديون من سيناء، والحملة التي يدعمها الإخوان لاغتيال ضباط الشرطة، أصبح الجمهور المصري الآن يطالب بقدوم "رجل دولة" لكي يستعيد النظام.
ولكن، حتى لو كان الكثير من المصريين يفضلون قادة من صنف "رجال الدولة"، فإن دعمهم لقادة الجيش ليس ثابتاً. ففي آذار (مارس) الماضي، حتى في الوقت الذي تراجع التأييد الشعبي لمرسي بحدة، أراد ما نسبتهم 3 % فقط من المصريين أن يكون "وزير الدفاع أو أي رجل عسكري آخر" رئيساً لهم، وفقاً لاستطلاع أجراه (المركز المصري لبحوث الرأي العام) "بصيرة". ربما تكون صورة السيسي مطبوعة على المنامات وعلب البسكويت، لكن الدعم الذي يتمتع به يبقى ضحلاً. وقد وضع استطلاع حديث أجراه مركز ابن خلدون، وهو مؤسسة بحثية في القاهرة، نسبة الدعم الشعبي لترشحه للرئاسة عند 54.7 % -وهي ليست نسبة عالية بشكل خاص بالنظر إلى أنه لم يكن هنا منافسون آخرون معقولون له في ذلك الوقت. وبالنظر إلى التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية الكبيرة التي سيواجهها السيسي بمجرد أن يصبح رئيساً، فإن التظاهرات الصغيرة المناهضة للجيش اليوم يمكن أن تصبح احتجاجات حاشدة كبيرة غداً.
من المغوي تصور أن مثل هذه الاحتجاجات يمكن أن تهدد قبضة السيسي على السلطة، تماماً مثلما أطاحت في نهاية المطاف بالرئيسين المصريين حسني مبارك ومحمد مرسي. لكن التظاهرات الحاشدة وحدها ما كانت لتكفي وحدها للإطاحة بهذين الرجلين من سدة السلطة. وربما كان كلاهما سيتمكنان من البقاء في المنصب لو لم تكن لمؤسسات الدولة المهمة أسبابها الضيقة الخاصة بها للاصطفاف إلى جانب المحتجين. في العام 2011، نظر كبار ضباط الجيش في نهاية المطاف إلى الانتفاضة المناهضة لمبارك باعتبارها شيئاً مفيداً لغاية منع الرجل الذي لم يكونوا يثقون به -ابن الدكتاتور، جمال مبارك، الذي لا يتمتع بخلفية عسكرية- من خلافة مبارك. وفي العام 2013، شارك طيف واسع من مؤسسات الدولة -خاصة وزارة الداخلية والجهاز القضائي- بنشاط في تأجيج الاحتجاجات المناهضة لمرسي، بسبب خشية هذه المؤسسات من محاولات "أخونة" مرسي لها. وقد أثار ذلك احتمال انهيار الدولة، وشكل حافزاً لتدخل الجيش بعد أربعة أيام فقط من بدء الاحتجاجات.
على النقيض من ذلك، سوف تكون استجابة مؤسسات الدولة أقل احتمالاً بكثير لاحتجاجات جماهيرية تطالب بإسقاط السيسي، لسببين: أولاً، أن الشرطة والجهاز القضائي متحدان في النظر إلى رئاسة مرسي المحتملة على أنها ستكون حصناً ضد الإخوان المسلمين، وخط الدفاع الأول أمام أي مسعى يقوده "الإخوان" للانتقام في مرحلة ما بعد الانقلاب. وخلال الاحتفال بيوم الشرطة الذي حضره السيسي في أواخر شهر كانون الثاني (يناير)، أعرب وزير الدفاع محمد إبراهيم عن دعمه القوي للسيسي وأكثر من الثناء عليه، ووصفه بأنه "فريد من نوعه، ومنقطع النظير، وثاقب البصيرة، وقائد حكيم"، دعم قوات الأمن في جهودها لتحقيق الاستقرار، ومحاربة الإرهاب، والحفاظ على أمن مصر. وسوف يقوم الدستور المصري الجديد، الذي يكفل سلطة غير مسبوقة للشرطة والقضاء والجيش، بتقوية التزام هذه المؤسسات بدعم نظام يرأسه السيسي، وقد صرف وزير الدفاع الكثير من الأشهر السبعة الماضية وهو يتصل بالشخصيات الدينية وقادة الأجهزة الأمنية لضمان دعمهم المتواصل لسيطرة الجيش.
ثانياً، سوف يكون قادة الجيش والمخابرات المصرية الحاليون أقل احتمالاً للتحرك ضد نظام يقوده السيسي مما كانوا عليه في حالة الحكومات التي قادها مبارك ومرسي. بالنسبة للعديد من هؤلاء المسؤولين، يشكل السيسي زميلاً ونظيراً: إنه من نفس جيل معظم أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعلاقاته الشخصية بالعديد من أكثر شخصيات المجلس نفوذاً تعود إلى عقود. وعلى سبيل المثال، كان السيسي وخليفته المحتمل لمنصب وزير للدفاع، رئيس هيئة أركان الجيش، صدقي صبحي، قد عملا معاً منذ درسا معاً في الأكاديمية العسكرية المصرية في السبعينيات. ومثل السيسي، بدأ صبحي حياته في الجيش كرجل مشاة، وواصل دراساته العليا في كلية القيادة والأركان المصرية، ثم التحق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، واستكمل زمالة في الكلية الحربية التابعة للجيش الأميركي في بنسلفانيا. وفي الأثناء، تتكون معظم القيادة العسكرية الحالية في مصر التي تأتي مباشرة تحت صبحي في سلسلة القيادة من ضباط كانوا قد عُينوا بعد وقت قصير من تعيين السيسي وزيراً للدفاع في آب (أغسطس) 2012.
على نحو مماثل، يحتل حلفاء السيسي الشخصيون مناصب عليا في مجتمع المخابرات النافذ في مصر. ولا يقتصر الأمر على أن مدير الاستخبارات العسكرية، محمود حجازي، كان زميلاً سابقاً للسيسي في الأكاديمية العسكرية وزميله في سلاح المشاة، وإنما ابنته متزوجة من ابن السيسي أيضاً. وبالإضافة إلى ذلك، يقال إن المدير القوي لجهاز المخابرات العامة في مصر، محمد فريد التهامي، عمل معلماً وراعياً للسيسي خلال فترة خدمة الأخير في جهاز الاستخبارات العسكرية، وتجعل سمعة التهامي كمتشدد ضد الإسلاميين من غير المحتمل أن يتحرك بشكل خاص ضد السيسي في حال حدوث انتفاضة.
بطبيعة الحال، لن تحول هذه العلاقات دون حدوث اضطرابات في المستقبل، لأن لديها القليل من التأثير على قدرة السيسي على إصلاح الاقتصاد المصري المنهك. ورغم بعض الاتجاهات الإيجابية وضخ النقود القوي من دول الخليج، ما تزال التوقعات الاقتصادية في مصر قاتمة. ويستشرف صندوق النقد الدولي معدل نمو يبلغ 2.8 في المائة في العام 2014، وهو ما يقل كثيراً عن معدل 5 في المائة اللازم لخفض البطالة المستشرية في أوساط الشباب. وسوف تفضي سياسة التحفيز التي تنتهجها الحكومة المؤقتة، فضلاً عن عدم وجود إيرادات من السياحة، إلى المزيد من استنزاف وتجفيف الاحتياطات النقدية في مصر، والتي انخفضت من 18.9 مليار دولار في آب (أغسطس) إلى 17.1 مليار دولار الشهر الماضي، ويمكن أن تقود مزيد من الانخفاضات في الاحتياطات مع مرور الوقت إلى إضعاف قدرة الحكومة على شراء الوقود الذي تبيعه للجمهور بأسعار مدعومة بشكل كبير. ويمكن أن تعود الطوابير الطويلة على الغاز وانقطاعات الكهرباء المستمرة التي حدثت في أيام حكم مرسي ثانية في ظل حكم السيسي، بحيث تثير غضب الجمهور وتوسع إطار الدعم للاحتجاجات. لكن من المرجح أن تصطف مؤسسات الدولة الرئيسية إلى جانب الرئيس الجديد، لأن تكلفة انتفاضة ناجحة أخرى ستكون تهديد استقلالية هذه المؤسسات وفتح الباب لعودة الإخوان المسلمين.
وإذن، بينما قد يكون السيسي مقاوماً للانقلابات أكثر من سابقيه، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن مصر ستكون مستقرة في ظل حكمه. على العكس من ذلك -سوف تزيد حقيقة ميل مؤسسات الدولة في مصر إلى دعم السيسي بدلاً من المحتجين من احتمالات أن يتم قمع الانتفاضات المستقبلية بوحشية. وإذا كان الرئيس المستقبلي، السيسي، يرغب في تجنب هذا السيناريو، فسيكون لديه خيار واحد فقط: وضع أجندة سياسية تستطيع أن تخاطب وتعالج مظالم المصريين الاقتصادية والسياسية بنجاح. ومع ذلك، يشير التاريخ الحديث إلى أنه لن يمر وقت طويل قبل أن ينفد صبر الجمهور المصري. وقد تكون مجرد مسألة وقت فقط قبل أن يصل رجال الدولة ورعاياهم إلى نقطة الاشتباك.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Sisi the Invincible: Why Egypt's Next President Won't Fear a Revolution
*إيريك تراغر، زميل إيستر وانغر في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. جلعاد وينيغ: مساعد بحث في برنامج السياسات العربية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

ala.zeineh@alghad.jo

@alaeddin1963

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خيال مريض (رياض الصلح)

    الثلاثاء 4 آذار / مارس 2014.
    مهما حاول ويحاول السيسي فلن يصل الى ما وصل اليه عبد الناصر او السادات في نظر الكثير من المصريين.
  • »السيسي وفراعنته لن يحلموا بحكم مستقر ؟ (بدر)

    السبت 1 آذار / مارس 2014.
    الثورة المصرية ضد العميل السيسي وفراعنته لن تتوقف. ولن يستطيع هؤلاء المجرمون السيطرة على الشارع المصري مهما استعملوا من قمع وبطش وسجون. فطالما اشتعلت ثورة المؤمنون كالاخوان وغيرهم من باقي الفئات من المستقلين الشرفاء، فإن نظام السيسي لن يستقر. واذا استمر السيسي في عناده واوهامه في تولي الحكم، فمصيره ربما رصاصة من أحد المصريين الغلابة يرسلها اليه أمام القصر الجمهوري. فالمصري يصبر ولكن ينتقم في النهاية من القتلة الذين قتلوا الالاف من الشعب خلال آخر 3 سنوات. الافضل لهؤلاء المجرمين كالسيسي وفراعنته أن يعيدوا الحكم لمرسي لكي تستقر مصر.