الاقتصاد العالمي والطلب المستحيل

تم نشره في الأحد 2 آذار / مارس 2014. 10:01 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 11 أيار / مايو 2014. 07:10 مـساءً

ماريك دابروفسكي*

وارسو ــ لم يعد هناك أي مجال للشك في أن أيام مجد الاقتصاد العالمي قد ولت وانتهت. ورغم هذا فإن صناع السياسات مستمرون في التركيز على إدارة الطلب في الأمد القريب على أمل إحياء معدلات النمو الـمُسكِرة التي كانت قبل الأزمة المالية التي اندلعت في الفترة 2008-2009. وهذا خطأ واضح. فعندما نحلل عوامل النمو الكلاسيكية الجديدة ــ العمال ورأس المال وإنتاجية العامل الكامل ــ فمن المشكوك فيه ما إذا كان تحفيز الطلب قابل للدوام في الأمد الأبعد، أو ما إذا كان حتى يخدم كسياسة فعالية في الأمد القريب.
ولنتأمل هنا كلاً من عوامل النمو هذه. على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة سوف تعمل التغيرات الديموغرافية على عكس اتجاه أو على الأقل إبطاء النمو في كل مكان باستثناء أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب أفريقيا . وسوف تواجه أوروبا واليابان والولايات المتحدة، وفي نهاية المطاف الصين وشرق آسيا، نقصاً في العمالة.
وبرغم أن الهجرة على نطاق واسع من مناطق الفائض في العمالة إلى مناطق العجز من شأنها أن تفيد الاقتصادات المتلقية للعمالة، فيكاد يكون من المؤكد أنها ستؤدي إلى مقاومة شعبية، وخاصة في أوروبا وشرق آسيا، وهو ما من شأنه أن دعمها بالغ الصعوبة. وقد تفيد زيادة معدل المشاركة في قوة العمل، وخاصة بين النساء وكبار السن، في التخفيف عن أسواق العمل المضغوطة، ولكن هذا وحده لن يكون كافياً لمواجهة الانحدار في عدد السكان في سن العمل.
ولا يستطيع الاقتصاد العالمي أن يعتمد على ارتفاع مستويات الاستثمار أيضا. فقد كانت نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم في انخفاض تدريجي على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة ، ولا يوجد سبب واضح قد يجعل هذه النسبة ترتفع مرة أخرى في الأمدين المتوسط إلى البعيد. حتى وقت قريب، كانت الزيادة السريعة في الاستثمار في الأسواق الناشئة، وخاصة في آسيا، تعوض عن هبوط معدلات الاستثمار في العالم المتقدم. ولكن معدلات الاستثمار المرتفعة ليست مستدامة أيضا. فكما حدث في اليابان، من المتوقع أن ينحدر معدل الاستثمار في الصين (الذي يدور حول 50 % من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2009) مع ارتفاع نصيب الفرد في الدخل.
ولن يتمكن المحرك الثالث للنمو، أو إنتاجية العامل الكامل، من الحفاظ على المكاسب الهائلة التي شهدناها منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين إلى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ففي ذلك الحين استفاد الاقتصاد العالمي من التقاء عدة تطورات فريدة: ثورة المعلومات والاتصالات؛ و"عائد السلام" الناتج عن نهاية الحرب الباردة؛ وتنفيذ إصلاحات السوق في العديد من الاقتصادات الشيوعية السابقة وغيرها من الاقتصادات النامية. وعلاوة على ذلك، تلقى النمو العالمي دفعة إضافية من إتمام جولة أوروجواي من مفاوضات التجارة الحرة في عام 1994 والتحرير الشامل لتدفقات رأس المال.
ومن الصعب أن نشير إلى أي زخم جديد يدفع النمو بنفس القوة ــ سواء الإبداع أو السياسة العامة ــ في اقتصاد اليوم. ولا تلوح في الأفق أي ثورة تكنولوجية جديدة. ولم تنتج منظمة التجارة العالمية سوى اتفاق محدود في بالي في شهر ديسمبر/كانون الأول، على الرغم من 12 عاماً من المفاوضات، في حين قد تعمل اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية العديدة على تقليص التجارة العالمية في الإجمال.
والأمر الأشد سوءاً هو أن النمو البطيء والبطالة المرتفعة في البلدان المتقدمة في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008 كان سبباً في تأجيج المطالبات بفرض المزيد من تدابير الحماية. وبالتالي فإن التحرير المالي في تسعينيات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يصبح أيضاً تحت التهديد.
ويبدو أيضاً أن إصلاحات الاقتصاد الكلي والإصلاحات السياسية البعيدة المدى التي تم تنفيذها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة استنفدت مداها. فقد اعتمدنا بالفعل على المكاسب السهلة؛ وأي تغير بنيوي إضافي سوف يستغرق وقتاً أطول للاتفاق على جدواه وسوف يكون تنفيذه أصعب كثيرا.
وبالتالي، فبعد أن توقفت عوامل جانب العرض عن دفع النمو العالمي، فيتعين علينا أن نعيد تقييم توقعاتنا لما قد تتمكن السياسات النقدية والمالية من تحقيقه. وإذا كان النمو الفعلي قريباً بالفعل من النمو المحتمل، فإن استمرار الحوافز المالية والنقدية الحالية لن يسفر إلا عن خلق المزيد من الفقاعات، وزيادة المشاكل المتعلقة بالديون السيادية تعقيدا، بل وتقويض توقعات النمو في الأمد البعيد من خلال تقليص المجمع من المدخرات العالمية المتاح لتمويل الاستثمار الخاص.
ويتعين على صناع السياسات أن يركزوا بدلاً من هذا على إزالة الاختناقات البنيوية والمؤسسية التي تعاني منها اقتصاداتهم. وفي الأسواق المتقدمة، ينبع هذا إلى حد كبير من الانحدار السكاني والشيخوخة السكانية، وجمود سوق العمل، ودولة الرفاهة التي لم يعد من الممكن تحمل دوامها، والضرائب المرتفعة والمشوِّهة، والمديونية الحكومية.
وتطول قائمة العقبات التي تحول دون النمو في الأسواق الناشئة أيضا: الفساد وضعف سيادة القانون والجريمة المنظمة والبنية الأساسية الهزيلة وقوة العمل غير الماهرة والقدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل، وملكية الدولة الأكبر مما ينبغي. فضلاً عن ذلك فإن الأسواق من كل الأحجام ومستويات التنمية لا تزال تعاني من تدابير الحماية والقيود المفروضة على تدفقات رأس المال الأجنبي وارتفاع مستويات الشعبوية الاقتصادية وبرامج الرفاهة الاجتماعية المبذرة أو الرديئة التوجيه.
وإذا تسنى لنا علاج هذه المشاكل على المستويين العالمي والوطني، فسوف يكون بوسعنا إنهاء التوسعية المالية والنقدية الخطيرة التي أصبح الاقتصاد العالمي يعتمد عليها والسماح للنمو بالاستمرار في الأمد البعيد ــ ولو بمعدلات أدنى مما كان عليه في السنوات الأخيرة.

*كان أول نائب لوزير المالية في أول حكومة بعد الشيوعية في بولندا.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق