عناد الأطفال ظاهرة إيجابية أم سلبية؟

تم نشره في الأربعاء 5 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • ينبغي أَن تكون توجيهات الوالدين متحققة بصفة الثبات فلا نشجعه على موقف مرة ثم نعود فنعاقبه عليه أخرى - (أرشيفية)

عمان- العناد سلوك يقلق الآباء والأُمهات ويعتبرونه ظاهرة سلبية، وهي في الواقع إيجابية وغير مقلقة، خلال السنوات الأربع الأولى من عمر الطفل، فمن خلال العناد يؤكد ذاته وأنه قادر على الانفصال عن والديه، ليمارس حياته مستقلاً عنهما وغير تابع لهما، وهذا سلوك إيجابي يساعد على نمو إمكانات الطفل، وعلى تكوين شخصية قادرة على اتخاذ المواقف والقرارات.
ولو فكر الأهل بعمق في أسباب ما يصدر عن أولادهم من سلوكات تدخل في مواصفات العناد، فسوف يكونون أقل حدة في مواجهتهم، وربما يواجهون هذه السلوكات بمرونة وتقبل، وليس بالتشنج وردات الفعل والعنف، فالعنف يولد العنف وحياة الأطفال تستقيم تحت مظلة التفاهم بالحوار.
ولننظر إلى ظاهرة العناد بموضوعية أكثر عمقاً، فسنجد أنه يلعب دوراً لا غنى عنه في عملية النمو، ولهذا الدور وجهان: فهو من جهة تأكيد لتمايز الشخصية النامية، ومن جهة أخرى اختبار لقدراتها الناشئة.
فبالنسبة للحالة الأولى، نجد أن العناد وسيلة طبيعية لتأكيد الذات، وجميع الأطفال يمرون بفترة من عمرهم يميلون فيها إلى (إثبات الذات) والطفل الذي لا يمر بهذه المرحلة هو غير سوي، لكن على أن لا يبالغ فيه وهو أمر طبيعي في مراحل النمو النفسي عند الطفل وله أهمية كبيرة نوجزها في:
1 - يساعد الطفل على الاستقرار واكتشافه الفريد لنفسه.
2 - يساعد الطفل على إدراك الطفل أنه شخص له كيان مستقل عن الآخرين.
3 - يكتشف الطفل أن له إرادة حرة، وهذا يكسبه صفات الفردية والاستقلال.
وتبدأ هذه المرحلة من أواخر السنة الثانية من عمره وتمتد حتى بداية السنة الرابعة، وقد سميت (بأزمة الثلاث سنوات).
وهنا يحسن بالوالدين استيعابه وإشعاره أنه لم يفقد حبهما رغم معارضته لهما فمعارضته حق له إلى أن يحصل على القناعة بالحوار، وعندها سوف يتخلى عن أساليب العناد ويؤثر الاستجابة لوالديه، ويكتشف أن التعاون معهما يفتح له آفاقاً جديدة تحت عنوان الحب والإيثار، وهذا يرضيه ويبعث الاستقرار في نفسه بأن اعتباره لذاته يساوي تماماً اعتبار الآخرين له، فهو موضع احترامهم وآراؤه موضع تقديرهم.
وبالنسبة للحالة الثانية، فإن مخالفة الولد لوالديه هي بمثابة اختبار يجريه من حين لآخر لامتحان مدى اقتداره على الأشياء والأشخاص الذين يحيطون به، يقول المحلل النفسي (أوتوفينيشل): "..العناد في الأصل محاولة تنزع لإثبات أن الشخص الأضعف (وهو الطفل) بوسعه أن يسيطر على من هو أكثر منه اقتداراً، وقد يكون هذا البرهان في أقصى الأهمية من أجل شعور الولد بقيمته الذاتية..".
فالولد بحاجة إلى الشعور بأنه يتمتع بقسط وافر من الاقتدار يزداد مع نموه لتنشأ عنده ثقة بالنفس يستمد منها الشجاعة الكافية لمواجهة تحديات الحياة وصعابها، ولذا يمكن اعتبار (عناد) الولد مقدمة طبيعية لاكتسابه الإرادة، فالعناد هو المادة التي تبنى عليها الإرادة، الذي يشكل مصدر التصميم والثقة بالنفس والحزم والمثابرة وكل الصفات التي تكون الشخصيات القوية.
ونشير إلى أن الأم التي تتصف بالشدة في الحزم، وتتعامل مع أطفالها بأسلوب صارم لا يخلو من الأوامر والنواهي، سيؤثر أسلوبها في نمو شخصيات أطفالها سلباً وسيقلدها أطفالها، ومن ثم سيلجأون إلى العناد والمكابرة مثلها تماماً، وهذا نفسه ينطبق على الآباء.
ولا ننسى أن إشاعة جو من الدفء العاطفي يساعد على تفهم الطرفين لبعضهما، ومن ثم يساعد الطفل على أن يبني بناءً نفسياً وفكرياً واجتماعياً بشكل سليم، مما يساعده على التخلص من نزعة العناد والتشنج، فهو يتعامل مع أبوين يحترمان شخصيته ولا يتسلطان على أفكاره وآرائه، ويفسحان مجالاً رحباً للحوار والتعبير والمناقشة، وهذا يرتد على العلاقة بينه وبين والديه إيجابياً فيتقبل والديه بالمحبة، وبعقل منفتح واستقلالية معترف بها ومصانة، ومجمل القول فالمطلوب أن يواجه عناد الطفل باللطف المقترن بالحزم ليسير في مشروعه الاستقلالي خطوات وئيدة وغير مضطربة ولا متعنتة، ويخطو معبراً عن ذاته قانعاً بها بدون معارضة لوالديه بل يسلك الطريق الأقرب والأقل توتراً فيتحاور معهم ليصل لقناعة مثلى.
العناد السلبي
 قد يتخذ العناد أشكالاً مفرطة في حدته أو في تواتره، أو من حيث امتداده الزمني، وفي هذه الحالة ينبغي بذل جهد للتركيز على الظاهرة بحد ذاتها وتحري أسبابها، وهي في الغالب تعبير عن ضيق يعاني منه.
والعناد وأي سلوك غير مرغوب يقوم به الطفل يشير إلى أن لديه اختلالا في العمليات النفسية تستلزم الرجوع إلى طفولته المبكرة للوقوف على العوامل التي أدت لهذا الاختلال، وإذا أردنا أن يكون علاجنا مجدياً ومتكاملاً فلا بد أن نتناول الأسباب الدفينة، لأن علم النفس الحديث ينظر إلى سلوك الأطفال غير السوي من حيث الدوافع التي تؤدي بهم لهذا السلوك، ومن حيث أساليب معاملتهم.
وليس من السهل إعطاء تفسير واحد يوضح لنا أسباب هذه المشكلة، ولكنها تقوم على أساس القاعدة المهمة التي تقول إن في نفس الإنسان دوافع تحمل طاقات قوية ولا تظهر قوة هذه الطاقات إلا عند حدوث الانفعال، وأن هذه الدوافع تتصارع فيما بينها، وما سلوك الإنسان إلا نتاج هذا الصراع اللاشعوري.
وما التربية التي تتمتع بالإشباع العاطفي والاجتماعي إلا عامل ترقية لهذه الذات الإنسانية، وتخفيف لهذا الصراع الذي يمكن أن تعيشه، وتوجيهه في اتجاه تنمية هذه الشخصية إنسانياً واجتماعياً وسلوكياً، ووضع أقدامها على المسار الصحيح الذي سيؤهلها لمكانتها المعدة على مسرح الحياة والمجتمع بعيداً عن اضطرابات السلوك ومخاطرها.
إن عناد الولد يحتوي دائماً على رسالة موجهة لوالديه وعليهما أن يفككا رموزها قبل البحث عن أي جواب، وغالباً ما توضع الرسالة في قالب سؤال: (من صاحب الحق أنت أم أنا؟)، والإجابة بصراحة واضحة ومحددة ضرورية للحؤول دون تكرار المحاولة في المستقبل، وإن أكثر الآباء (وأقصد آباء وأمهات) نجاحاً هم القادرون على وضع أنفسهم موضع أولادهم، ليروا ما يرون، ويفكروا بما يفكرون، ويشعروا بما يشعرون، وإن لم يتقن الأبوان لهذه المهارة فإنهما يداومان على التصرف بشكل مضر، وإذا أخفق الوالدان في هذه المهمة كانت حياتهما وحياة أولادهما معقدة بكل ما في الكلمة من معنى.
العناد المفرط
قد يتخذ العناد أشكالاً مفرطة في حدته، أو في تواتره، أو من حيث امتداده الزمني وفي هذه الحال ينبغي التركيز على هذه الظاهرة، وتحري أسبابها، فعلم النفس الحديث ينظر إلى سلوك الأطفال من حيث الدوافع التي تؤدي بهم لهذا السلوك ومن حيث أساليب معاملتهم.
بعض أسباب توليد العناد:
1 - الابتزازات العاطفية: حيث يخضع الآباء لابتزازات الطفل العاطفية وتغدو التربية متصفة بالتساهل المفرط (الدلال) فيخافون معارضته لدرجة يصبح معها الطفل متأكداً أنه محور عالمهم فلا يردون له طلباً.
2 - الخلافات الزوجية: إن الطفل شديد الحساسية لما يجري حوله، فالخلافات والتوترات في الحياة الأسرية، تولد لديه حالات من الاضطراب النفسي الذي يؤول إلى اضطرابات سلوكية.
3 - التأرجح في مواقف الوالدين: ينبغي أن تكون توجيهات الوالدين متحققة بصفة الثبات فلا نشجعه على موقف مرة ثم نعود فنعاقبه عليه أخرى، ولا نتعامل معه بالتسامح تارة ونوبخه على التصرف نفسه تارة أخرى، لأن هذا يجعل الطفل في حيرة من أمره ويصبح لا يميز بين ما يحب أن يفعله وما لا يحب، وما يرضي والديه وما لا يرضيهما وما هو خطأ وما هو صواب، فهو يرى أن ما فعله بالأمس قوبل بالرفض اليوم وهو يتشبث بموقف الأمس لأنه حقق له متعة وأمن له رغبة.
4 - الغيرة الأخوية: وخصوصاً من المولود الجديد الذي يعتقد أنه سلبه حب والديه واحتل مكانه والطفل يخطئ في تفسير مشاعر أهله تجاهه ويظن أن رفضهم لطلباته سببه عدم إعطائه المحبة والأهمية الكافية، وهذا يغضبه إلى أن تعود الثقة بينه وبين أهله بالحوار ومشاعر الحب...الخ.
5 - التربية القمعية والقيود الصارمة؛ إن هذا النوع من التربية يعني:
* تحقيق الرغبات الوالدية على حساب ذات الطفل وكيانه.
* إثبات السلطة الأبوية.
إن الطفل يحتاج للتوجيه والإرشاد والتعليم، والقيود المتشددة في المأكل والمشرب وساعات النوم واختيار الأصدقاء، وساعات اللعب وطريقة تعامله مع الآخرين وساعات اللعب تعني أن الطفل يعمل كآلة وفق جهاز توجيه يستخدمه الآباء والأمهات وفق رغباتهم وأحلامهم وتطلعاتهم، بدون اعتبار لآرائه وإمكاناته وقناعاته وقدراته الإدراكية والمعرفية والشخصية وذوقه الخاص.
إن الطفل يحتاج لسلطة ضابطة موجهة حامية، وليس لسلطة خانقة قامعة متشددة؛ فالتشدد المفرط والتساهل المبالغ فيه يؤديان لنتيجة واحدة وهي طفل متمرد عنيد ليست لديه الإمكانية على اتخاذ موقف أو قرار.
معالجة العناد
الغرض من الرعاية الوالدية أن تكون محققة لنمو الولد بشكل سليم، ومنها البحث عن كل العوامل التي تقف عائقاً في طريق بناء شخصيته، مثل القسوة والقمع الذي يفرز العناد بشكل حتمي كدفاع مستميت يمارسه الولد عن كيانه الشخصي، ولذا يمكن اقتراح الآتي:
1 - التعامل معه ككائن له الحق في التعبير عن رأيه.
2 - العيش كإنسان يمتلك مساحة من الحرية لتحقيق ذاته.
3 - الامتناع عن إصدار الأوامر، والاكتفاء بالحد الأدنى والضروري بلغة متسمة بالود والحزم وخالية من العنف.
4 - أن تأخذ بعين الاعتبار إمكانات الطفل وفقاً لمرحلة عمره، فلا نكلفه بما هو فوق قدراته الفكرية أو البدنية.
كيف نجنب أولادنا مخاطر العناد؟
1 - يجب أن يحافظ الآباء على هدوئهم واتزانهم الانفعالي إزاء ثورة الغضب التي يمر بها الطفل.
2 - يتحتم على الآباء والأمهات أن يكونوا القدوة الصالحة لأولادهم والمثل الأعلى، لذا يجب أن يتحلوا بالصبر واللين ونفاذ البصيرة، مع التحلي بالمقدرة على حل المشكلات في الوقت المناسب، وبأكبر قدر من المعقولية، حلولاً يسودها العدل والمحبة والتفاهم.
3 - يحذر الآباء من تلبية رغبات أطفالهم تحت تهديد البكاء والغضب والعناد.
4 - على الآباء أن يميزوا في تعاملهم مع أولادهم بين الرغبة والحاجة.
5 - أن يستخدم الآباء الحزم بجانب الحب بشكل متلازم.
6 - يحذر الآباء من التدخل في شؤون أولادهم تدخلاً مباشراً بحيث يفرضوا عليهم رغباتهم بدون مراعاة لظروف الطفل وإمكاناته ورغباته واستعداداته.
والأصوب أن يكون تدخلهم بشكل مقنن، وليتذكروا أن الطاعة العمياء لا تخلق شخصية قوية.
7 - يحذر الآباء من مناقشة مشكلات طفلهم أمام الغرباء حتى لو كانوا من الأهل.
8 - مناسب جداً أن يدعم الآباء الجانب الإيجابي، ويساعدوه على تقدير ذاته.
9 - مهم أن يزيد الآباء الوقت الذي يقضوه مع أطفالهم.
إن طفلك يريد منك أن تكون رب أُسرة قائدا، (شخصية ذات سلطة صارمة ولكن مستعدة للتفاوض وغير متسلطة)، وأن تظهر له احترامك، وهذا يحقق تعاملاً هادئاً مشبعاً بالتعاطف والتفهم للآخر وبهذا لا يتولد العناد ولا التمرد.

عبدالعزيز الخضراء
كاتب وتربوي

التعليق