أسطورة أميركا الانعزالية

تم نشره في السبت 8 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • علم أميركي وحيد، في تعبير عن ظاهرة الانعزالية الأميركية - (أرشيفية)

جوزيف س. ناي*

كمبريدج - تُرى، هل تنغلق الولايات المتحدة على نفسها وتصبح انعزالية؟ طُرِح هذا السؤال عليّ من قِبَل عدد من زعماء عالم المال والسياسة في المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير في دافوس، ثُم سمعت نفس السؤال مرة أخرى بعد بضعة أيام في مؤتمر ميونيخ الأمني السنوي. وفي كلمة قوية ألقاها في دافوس، أعطانا وزير الخارجية الأميركي جون كيري إجابة لا لبس فيها: "إن أميركا أبعد ما تكون عن الانسحاب وفك الارتباط، بل هي فخورة بأن تكون أكثر انخراطاً ومشاركة من أي وقت مضى". ولكن السؤال ظل باقيا.
خلافاً للمزاج الذي ساد في دافوس قبل بضع سنوات، عندما تصور العديد من المشاركين خطأ أن الركود الاقتصادي انحدار أميركي طويل الأجل، فإن الرأي السائد هذا العام كان أن اقتصاد الولايات المتحدة استعاد الكثير من قوته الأساسية. وركز أصحاب النظرة المتشائمة إلى الاقتصاد بدلاً من ذلك على أسواق ناشئة مألوفة سابقاً، مثل البرازيل وروسيا والهند وتركيا.
الواقع أن الانزعاج الشديد إزاء انعزالية الولايات المتحدة حركته أحداث أخيرة. فبادئ ذي بدء، هناك رفض أميركي (حتى الآن) للتدخل العسكري في سورية. ثُم هناك انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان قريبا. وقد خَلَّف إلغاء الرئيس باراك أوباما لرحلته إلى آسيا في الخريف الماضي، بسبب الجمود السياسي في الكونغرس الأميركي وما نتج عنه من التعطيل المؤقت للحكومة، انطباعاً رديئاً لدى زعماء المنطقة.
مع تركيز كيري لوقته ورحلاته على الشرق الأوسط، بات العديد من الزعماء الآسيويين يعتقدون أن السياسة الخارجية بتوقيع أوباما -"إعادة التوازن" الاستراتيجي نحو آسيا- قد استنفدت وقودها، حتى بالرغم من تصاعد التوتر بشكل مستمر بين الصين واليابان، والذي تجلى في تصريحات زعماء البلدين في دافوس.
كان التصرف الأكثر فظاظة من منظور "دافوس" هو رفض الكونغرس الموافقة على إصلاح صندوق النقد الدولي وإعادة تمويله، حتى بالرغم من أن الموافقة على الخطة التي لم تُضِف عبئاً كبيراً إلى أعباء دافعي الضرائب الأميركيين قبل سنوات من قِبَل مجموعة العشرين بقيادة أوباما. وعندما سألت أحد أعضاء مجلس الشيوخ البارزين عن سبب تراجع الكونغرس عن الالتزام بالتعهد الأميركي، أرجع الأمر إلى "المشاكسة المحضة"، وهو ما يعكس مزاج الجمهوريين في حزب الشاي اليميني وبعض الديمقراطيين اليساريين. وبوسعنا أن نستشف المزيد من الأدلة التي تؤكد الانعزالية الأميركية من استطلاع أخير للرأي أجراه مركز بيو للبحوث ومجلس العلاقات الخارجية. ووفقاً لاستطلاع الرأي، فإن 52 % من الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة "لابد أن تهتم بشؤونها الخاصة على المستوى المحلي وأن تترك للدول الأخرى أن تتدبر أمورها على أفضل نحو بإمكاناتها الخاصة وبنفسها". وقال نفس الرقم تقريباً إن الولايات المتحدة أصبحت "أقل أهمية وقوة" مما كانت عليه قبل عشر سنوات.
المشكلة في هذه التصورات -سواء في الداخل أو الخارج- هي أن الولايات المتحدة تظل الدولة الأكثر قوة على مستوى العالم، ومن المرجح أن تظل كذلك لعقود من الزمان. ويكاد يكون من المؤكد أن حجم الصين وسرعة نمو اقتصادها من الأمور التي ستزيد من قوتها النسبية في مواجهة الولايات المتحدة. ولكن، حتى عندما تصبح الصين الدولة صاحبة أضخم اقتصاد على مستوى العالم في الأعوام المقبلة، فإنها سوف تظل على بُعد عشرات السنين خلف الولايات المتحدة من حيث نصيب الفرد من الدخل.
علاوة على ذلك، وحتى إذا لم تتعرض الصين لنكسة سياسية محلية كبرى، فإن التوقعات القائمة على نمو الناتج المحلي الإجمالي وحدها تتسم بأحادية البُعد، وتتجاهل المؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة والمزايا التي تمنحها إياها قوتها الناعمة. وتتجاهل هذه التوقعات أيضاً العيوب الجيوسياسية التي تعاني منها الصين داخل آسيا.
إن ثقافة أميركا القائمة على الانفتاح والإبداع سوف تضمن دورها كمركز عالمي في عصر حيث تعمل الشبكات على تكميل السلطة الهرمية، إن لم تكن تحل محلها بالكامل. والولايات المتحدة في وضع يسمح لها بالاستفادة من مثل هذه الشبكات والتحالفات، إذا انتهج القادة الأميركيون استراتيجيات ذكية. ومما يشكل أهمية كبرى من الناحية البنيوية أن الكيانين اللذين ينافسان اقتصاد الولايات المتحدة ونصيب الفرد فيها من الدخل -أوروبا واليابان- هما حليفان لأميركا. وعندما نتحدث عن موارد ميزان القوى، فإن هذا من شأنه أن يعزز موقف أميركا الصافي، ولكن ليس من دون حفاظ قادة الولايات المتحدة على هذه التحالفات وضمان التعاون الدولي.
يظل وصف الانحدار وصفاً مضللاً لوضع أميركا اليوم، ومن حسن الحظ أن أوباما رفض الاقتراح القائل بأنه لا بد أن يتبنى استراتيجية تهدف إلى إدارة ذلك الانحدار. وخلافاً لروما القديمة، فإن الولايات المتحدة، بوصفها زعيمة في البحث والتطوير والتعليم العالي والنشاط التجاري، ليست في انحدار مطلق. إننا لا نعيش في "عالم ما بعد أميركا"، ولكننا أيضاً لم نعد نعيش في "العصر الأميركي" في أواخر القرن العشرين.
وفي العقود المقبلة سوف تكون الولايات المتحدة هي "الأولى"، ولكنها لن تكون "الوحيدة".
يرجع هذا إلى حقيقة أن موارد القوة لدى العديد من الكيانات الأخرى -الجهات الفاعلة، سواء من الدول أو غير الدول- آخذة في النمو، ولأنه في عدد متزايد من القضايا سوف يتطلب تحقيق النتائج الأميركية المفضلة ممارسة القوة مع الآخرين وعلى الآخرين بنفس القدر. وسوف تشكل قدرة قادة الولايات المتحدة على الحفاظ على التحالفات وإنشاء الشبكات بُعداً مهماً في تعزيز قوة أميركا الصارمة والناعمة. والمشكلة التي تواجه قوة الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين ليست الصين فحسب، بل وأيضاً "صعود بقية القوى".
لن تكون العزلة هي الحل، وإنما انتهاج استراتيجية الانتقائية على غرار ما دعا إليه الرئيس دوايت أيزنهاور في خمسينيات القرن العشرين. وتبدأ استراتيجية القوة الذكية بالتقييم الواضح للحدود. فالقوة المتفوقة ليست مضطرة إلى مراقبة كل الحدود واستعراض قوتها في كل مكان. وهذا هو السبب الذي جعل أيزنهاور يقاوم بحكمة إغواء التدخل المباشر على الجانب الفرنسي في فيتنام في العام 1954.
كان أيزنهاور محقاً بشأن أمر آخر أيضاً: وهو أن القوة العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة تعتمد على الحفاظ على قوتها الاقتصادية. وبناء الأمة في الداخل ليس الانعزالية التي يخشاها المنتقدون؛ إنه يشكل، على العكس من ذلك، أهمية بالغة للسياسة الخارجية الذكية.
إن الاستراتيجية الذكية تتجنب توريط قوات برية في حروب كبرى في القارة الآسيوية. غير أن مثل هذا التوجه الحكيم ليس كمثل الانعزالية. فالولايات المتحدة تحتاج إلى الجمع بين موارد قوتها الناعمة وقوتها الخشنة بشكل أفضل. وكما قال أوباما في خطاب حالة الاتحاد في العام 2014: "ففي عالم يتسم بتهديدات معقدة، يعتمد أمننا على كافة عناصر قوتنا -بما في ذلك الدبلوماسية القوية القائمة على المبادئ". ولعل أيزنهاور كان ليقول نفس الكلام دون أن يتهمه أحد بالانعزالية.



*أستاذ في جامعة هارفارد، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "الزعامة الرئاسية وخلق العصر الأميركي".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت" 2014.

التعليق