نهاية ما يسمى "العالم النامي"

تم نشره في الأحد 9 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً

دايو أولوبيد* - (نيويورك تايمز) 28/2/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قال بيل غيتس في رسالته السنوية لمؤسسته إن مصطلحي "البلدان النامية" و"البلدان المتقدمة" قد استنفدا استخدامهما. وهو على حق. إذا أردنا أن نفهم الاقتصاد العالمي الحديث، فإننا نحتاج إلى العثور على مصطلحات أفضل.
كان السيد غيتس يبين فكرته عن التحسينات في الدخل وإجمالي الناتج المحلي؛ ولسوء الطالع، فإن هذه الإجراءات الرسمية تولد فئات تميل نحو إخفاء الفوارق الواضحة. فقط عندما يستخدم مزدوج "تنمية" بشكل خام، يستطيع أي شخص إجمال موزمبيق والمكسيك معاً.
من الصعب انتقاء بديل مرضٍ. فقد أصبح الحديث عن العوالم الأول والثاني والثالث ضرباً من الماضي، كما أن من تحمل الحرج الديكنزي في مصطلح "الدول الصناعية". ويجب أن ننسى أيضا الرطانة الأخيرة عن "الجنوب الكوني" و"الشمال الكوني". فهناك القليل من العقلانية في مقابلة البلدان الفقيرة مع "الغرب" عندما نرى أن العديد من قصص النجاح الاقتصادي الكبيرة في العقود القليلة الماضية جاءت من الشرق.
توحي كل هذه المصطلحات المستهلكة بأن أي بلد "ينمو" باتجاه شيء ما، وبأن هناك طريقة واحدة وحسب للوصول إلى هناك. ولذلك، حان الوقت للشروع في توصيف العالم بأنه "سمين" أو "نحيل".
المجتمعات "النحيلة" تتعامل مع الاستهلاك والإنتاج مع ندرة في العقل. وفي ما يدعي البلدان الأقل نمواً في جنوب الصحراء الأفريقية، حيث معدل دخل الفرد من إجمالي الناتج القومي لا يتعدى 2.232 دولار، يتسم السكان بأنهم شباب وجوعى -في بعض الأوقات إلى الغداء، وإنما إلى الفرصة في معظم الأوقات. ومع أنه لا يمكن اعتبار أي شيء أمراً مسلماً به أو بلا قيمة، فإن محدودية الموارد أثارت وفرة من الحلول المدهشة المصنوعة في الوطن للمشكلات التي يعالجها الإنسانيون مثل السيد غيتس بتقديم الإحسان. وإذا كانت الحاجة هي أم الاختراع، فإن الاقتصادات النحيلة تتوافر على ميزة واضحة بهذا الخصوص.
في لاغوس، نيجيريا، هناك مبنى مدرسة مؤلف من ثلاثة طوابق يعلو فوق المياه في ماكوكو، وهي قرية للصيد تعوم على بحيرة ضحلة في المدينة. وتجسد المدرسة المصنوعة من مواد بسيطة معادة التدوير تقنية مناسبة ومقاومة للمناخ -وتقوم بتعليم 100 تلميذ يومياً.
وفي خايليتشا، البلدة الفقيرة في جنوب أفريقيا، هناك مجموعة من حاويات الشحن التي أعيد استخدامها لأغراض أخرى، والتي تعمل راهناً كعيادة صحية. وتسخدم طبيبة النسائية والتوليد في كيب تاون، لينيت ديني، هذه الحاويات معادة الاستخدام لعمليات المسح والكشف عن السرطان. ويقوم فريقها "بعمل كل شيء باستثناء إجراء العمليات الجراحية" في الحاويات. وتعاين الدكتورة ديني ما بين 20 و30 امرأة كل مساء.
في الأثناء، تقيس المشاريع المبتدئة في أفريقيا جولاتها في تمويل بدايات المشاريع بأرقام متواضعة نسبياً. والآن تقوم 86 % من العائلات باستخدام الهاتف المحمول الذي تشغله "م-بيزا"، الشركة المصرفية العملاقة هناك. ومن ناحيتها، بدأت كينيا استثمارات تقدر قيمتها بحوالي 900.000 جنيه استرليني (حوالي 1.5 مليون دولار) بتقديم من شركة فودافون والحكومة البريطانية. ورغم أنها تفتقر إلى الموارد التي تعتبرها الدول الثرية أمراً مسلماً به، تولد مشاريع الدول النحيلة على نحو مشابه مليارات الدولارات في منطقة جنوب الصحراء.
وإذن، ما الذي يجعل من اقتصاد ما "سميناً"؟ تقف الولايات المتحدة لتكون مثالاً حياً. فالوفرة لديها شيء اعتيادي. ويقترب إجمالي الناتج القومي لديها من 50.000 دولار للفرد. لكن هناك جوانب سلبية؛ إذ يوجد لدى الولايات المتحدة واحد من أعلى أرقام السمنة في العالم، كما أنها تتصارع مع مشاكل أخرى "سمينة" وأكثر رمزية: وباء الرهن العقاري المزمن، وسياسة "ادفع لتشارك"، وحب خطير للوقود الحيوي. كما تكافح دول أخرى لدفع أجور الثراء. فقد أعلنت كوريا الجنوبية عن أن الإدمان على الإنترنت أصبح مصدر قلق على الصحة العامة. كما تناضل الدول المصابة بشيخوخة السكان في أوروبا لنزع فتيل القنبلة الموقوتة لبرامج التقاعد السخية. فيما أفضت الأزمة المالية التي يغذيها الاستهلاك إلى حدوث انتفاخ، امتداداً من آيسلندا إلى إيطاليا. ووضعت إجراءات "التقشف" المترتبة على ذلك الاقتصادات السمينة تحت الخطر لأجيال ستأتي.
على العكس من ذلك، لدى اقتصادات أفريقيا النحيلة مكامن قلق أكثر بدائية. ما تزال الملاريا والولادة تحتل مكاناً بارزاً بين أعلى مسببات الوفاة. ويعتبر الساسة السارقون والبنية التحتية البالية وحالات النقص في العقاقير وحالات انقطاع الكهرباء كلها أموراً عادية جداً هناك. لكن هناك جوانب إيجابية أيضاً، فالأفارقة الأفراد يهدرون غذاء ومياهاً أقل، وهم مدينون بأموال أقل، ويحافظون على مستوى انبعاث كربوني إقليمي هو الأخفض في العالم. ويعادل حجم الطاقة التي يستهلكها 19.5 مليون شخص في ولاية نيويورك سنوياً ما يستهلكه نحو 800 مليون أفريقي.
لأن المنطقة ظلت مستثناة منذ أمد بعيد من الأسواق الكونية المتهورة، استطاعت أفريقيا تفادي الأسوأ في الأزمة المالية. وبوجود القليل، إذا ما وجد، من الرهونات أو بطاقات الائتمان، فإن أرباب الأسر الأفارقة لا يتعرضون للضغوط الكبيرة. وتدفع بنوك تجارية محلية مصالح تجارية صغيرة بانتهاج أنموذج "نحيل" لكل من العمليات والتمويل اللذين يمكن أن يكونا أكثر فعالية. وإذا كان العالم يشد حزامه بطريقة تصاعدية، فإن عليه أن ينظر إلى المنطقة المسماة "أفريقيا".
لقد اكتشفت الاقتصادات النحيلة المزايا التجارية للاتجار فيما بينها. وتتدفق الآن تريليونات الدولارات فيما بين آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. وليس ذلك بفضل الصين وحسب، فالخطوط الجوية التركية تسيّر الآن رحلات لأكثر من 30 وجهة أفريقية، كما أن تركيا فتحت دزينتين من السفارات تقريباً في القارة السمراء منذ العام 2009. وفي العام 2012، بدأ مصرف "ميغابانك" البرازيلي تمويلاً بقيمة مليار دولار لأفريقيا. وتنخرط محطة التلفزة "ايروكو" التي تعرض أفلاماً نيجيرية بشكل غير متوقع مع قاعدة كبيرة من المعجبين في ماليزيا. ومن دون السماح ولا الإذن من "الغرب" أصبح التبادل بين الأسواق الصاعدة ينافس تجارة عبر الأطلسي التي هيمنت على القرن العشرين.
وفي الأثناء، يفضي التفكير النحيل إلى حفز نوع مختلف من الإبداع. وتجسد قصة شركة "توتو" اليابانية التي ابتكرت جهاز "الأموتهايم" أو "الأميرة الناطقة" طبيعة الانقسام الكبير. هذه الآلة المركبة في آلاف الحمامات العامة في عموم اليابان تحاكي صوت خرير المياه. وقد حلت "أميرة الصوت" مشكلة تتعلق بالراحة الشخصية: فقد كانت النساء يستخدمن باستمرار صوت مياه الحمامات العامة لإخفاء الأصوات التي ترافق استخدامها. وقد وفر ابتكار توتو عليهن الإحراج، وأصبح المنتج المحمول باليد والذي يأتي على شكل نسخة من حافظة النقود أكثر المنتجات الاستهلاكية مبيعاً في اليابان.
في اقتصاد نحيل، يبدو ابتكار ذو الصلة بالحمامات العامة مختلفاً كثيراً. ففي المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان من المدن الأفريقية، ثمة شكل من أشكال التخلص من الفضلات كان يحظى بالاحترام ذات مرة هو "المرحاض الطائر" الذي يجمع النفايات في كيس بلاستيكي ويقذف بها بعيداً قدر الإمكان. وهذا أمر مفهوم: فمعظم الناس في المستوطنات غير الرسمية في أفريقيا يفتقرون إلى الكرامة الأساسية التي يوفرها التخلص من الفضلات بطريقة حديثة. المياه الملوثة بالفضلات تتسبب بالأمراض، كما أن الخوف من الجرائم يجعل العديدين يمتنعون عن استخدام المراحيض العامة في الليل. ولذلك وفر "المرحاض الطائر" حلاً بديلاً مؤقتاً -مع نقاط سلبية واضحة.
ثم جاءت منظمة "أونماندي ترست"، وهي منظمة مجتمعية في كينيا، بخطة أفضل، فقد ساعدوا في بناء هاضم حيوي أسطواني ضخم يمزج نتاج فضلات أسطول من المراحيض. ويفرض صندوق أونماندي رسماً بقيمة بضعة قروش عن كل استخدام، بما يجمع نحو 400 دولار في الشهر. لكن الأفضل هو أن النظام لا يجفف إمداد المياه مثل المراحيض التقليدية، وإنما يقوم بتوليد غاز حيوي يوفر الطاقة لمركز مجتمعي، ويدفئ المياه للسكان الذين يستحمون أيضاً في كل يوم.
يمثل جهاز "أميرة الصوت" ابتكاراً مترفاً على قمة الهرم، حيث يمكنك العثور أيضاً على برامج حاسوب تتيح لك إيجاد مكان لركن سيارتك، أو "فلاحة" محاصيل رقمية زائفة، أو هز جهاز الآيفون لتقليد صوت فرقعة سوط. وهي ابتكارات تحل المشاكل التي تنشأ بعد أن تتم العناية بأمر الأساسيات.
لكنه عندما يكون الوضع الراهن هو "مرحاض طائر" فإن أي شيء سينفع. عندئذ، تقوم الاقتصادات النحيلة -مهما تبدو حالتها صعبة- بترجمة أدنى الموارد إلى أقصى تأثير اجتماعي ممكن.
فيما تتلاشى الأوصاف القديمة لأفريقيا -"الميئوس منها" و"الممزقة بالحروب" و"الفقيرة"- يجب على الاقتصادات السمينة أن تتوقف عن افتراض أن على البلدان الفقيرة أن تقلدها بدلاً من تبني أساليبها الخاصة للابتكار الاجتماعي والفعالية. وتبقى دروس ما بعد الانهيار الاقتصادي عن فعل الأكثر باستخدام الأقل مسألة أساسية في أفريقيا الحديثة. وبالنسبة لمحبي الإنسانية مثل السيد غيتس وزعماء العالم الذين التزموا بحل المشاكل الكبيرة، فإن التفكير النحيل يبدو حتمياً.

*صحفي ومؤلف كتاب "القارة المتألقة: كسر القوانين وصنع التغيير في أفريقيا الحديثة".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The End of the Developing World

 

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق