سلام منفصل

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً

شلومو بن عامي*

مدريد- في العام 1996، فاز بنيامين نتيناهو في الانتخابات العامة من خلال تعبئة الدوائر الانتخابية الكبيرة ضد نية رئيس الوزراء آنذاك شمعون بيريز المزعومة "تقسيم القدس". وبعد ما يقرب من عشرين عاماً، يظل نتنياهو ملتزماً بشعارات بلهاء قديمة حول "القدس الموحدة" -وهو الاعتقاد الذي يهدد، مرة أخرى، بإفساد عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين.
في الوقت الذي يستعد وزير الخارجية الأميركي جون كيري لتقديم اتفاق إطاري لجولة حاسمة من مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية، لا يشكل موقف نتنياهو المتشدد بشأن القدس بداية ناجحة ببساطة. وفي محاولة أخيرة لتحسين فرص نجاح الاقتراح، اجتمع الرئيس الأميركي باراك أوباما -الذي تجنب إلى حد كبير الاضطلاع بدور استباقي في عملية السلام خلال فترة ولايته الثانية- مع نتنياهو في البيت الأبيض لحثه على اتخاذ موقف معتدل.
لكن تغيير رأي نتنياهو لن يكون بالمهمة السهلة -وخاصة في ظل الضغوط السياسية المحلية التي يواجهها. فمنذ احتلت إسرائيل القدس الشرقية في حرب الأيام الستة في العام 1967، دعمت الطبقة السياسية في البلاد اعتبار المدينة "عاصمة أبدية موحدة" لإسرائيل -وهي الرؤية التي تظل غير راغبة في التخلي عنها الآن.
المشكلة هي أن أي مفاوضات جادة مع الفلسطينيين من غير الممكن أن تستوعب هذا الموقف. ذلك أن عدد سكان القدس من العرب -الذين يمثلون بالفعل أكثر من 40 % من إجمالي سكانها- ينمو بمعدل 3.5 % سنوياً، مقارنة بمعدل نمو سكانها من الإسرائيليين والذي لا يتجاوز 1.5 %. وبمجرد أن يبدأ هذا القطاع العريض من الناخبين المشاركة في الانتخابات البلدية -التي تجنبوا حتى الآن المشاركة فيها خشية أن يُنظَر إلى هذا باعتباره إضفاءً للشرعية على الحكم الإسرائيلي- فمن المرجح أن تنتقل السيطرة على مجلس المدينة إلى الأغلبية الفلسطينية.
كان بيريز يدرك أن القدس الموحدة تحت حكم إسرائيلي كلي ليست بالفكرة الواقعية القابلة للتنفيذ، فأكَّد لوزير الخارجية النرويجي في رسالة وجهها إليه في العام 1993 -في خطوة بالغة الأهمية لإتمام اتفاقات أوسلو- أن إسرائيل سوف تحترم استقلالية المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية. وعلى نحو مماثل، أقر رئيس الوزراء إيهود باراك في العام 2000 معايير كلينتون، التي دعت إلى تقسيم القدس إلى عاصمتين على أساس عرقي. ثم حذا رئيس الوزراء إيهود أولمرت حذوه في اقتراح السلام الذي قدمه لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في العام 2008؛ كما أوصى بتدويل إدارة المدينة القديمة.
ورغم هذا، فإن نتنياهو وأنصاره يظلون على إصرارهم على أن القدس لن تُقَسَّم. والواقع أن ما فشلوا في إدراكه هو أن قانون القدس للعام 1980، والذي أعلن المدينة -"موحدة بالكامل"- عاصمة لإسرائيل لم يُفض في واقع الأمر إلى الوحدة. كما فشلت الجهود اللاحقة لفرض الطابع الإسرائيلي على المدينة، من خلال بناء شبكة من الأحياء اليهودية في القدس الشرقية التي يهيمن عليها الفلسطينيون، في تأمين أغلبية يهودية راسخة، ويرجع هذا إلى حد كبير إلى عزوف أبناء الطبقة المتوسطة من الإسرائيليين عن الاستقرار هناك.
الواقع أن المشروع الاستيطاني لم يحول القدس الشرقية إلى مركز للتوترات السياسية والاجتماعية فحسب، بل إن التكلفة المالية العالية -أكثر من عشرين مليار دولار في المجمل- استلزمت بالضرورة تحويل الموارد المحدودة من الاستثمار الموجه للنمو في القدس الغربية. ونتيجة لهذا، أصبحت القدس أفقر المدن في إسرائيل. ومن غير المستغرب أن أعضاء الطبقة المتوسطة الليبرالية المزدهرة، الذين هجروا القدس في السنوات العشرين الماضية (200 ألف)، يعتبرون تل أبيب، عاصمة إسرائيل الاقتصادية ومركز النمو القائم على التكنولوجيا، مدينة أكثر جاذبية.
ما يزيد الموقف تعقيداً هو ذلك الانقسام القائم بين العلمانيين الإسرائيليين والجماعات الأرثوذكسية المتعصبة التي كان رفضها للدولة العلمانية وحنينها إلى مجتمع قائم على التفسير الأكثر صرامة للشريعة اليهودية، والذي يلخص خوفاً عميق الجذور من العرب وانعدام الثقة المتعسف في الأمميين. والواقع أن مثل هذه الجماعات التي تشكل 30 % من سكان القدس، تجعل من القدس الموحدة السلمية فكرة بعيدة المنال في أفضل تقدير.
في العام 1966، قبل عام واحد من إسقاط المظليين الإسرائيليين لتوحيد القدس في ظاهر الحال، غنت الملحنة ناعومي شيمر "المدينة التي تقبع وحيدة، وفي قلبها جدار". إن الجدار الذي يقسم القدس اليوم ليس مبنياً من الخرسانة أو قوالب الحجر -لكن هذا لا يجعله أقل واقعية.
يتمثل هذا الانقسام الدائم في التناقض بين الخدمات البلدية والبنية الأساسية في الأحياء اليهودية والعربية في مدينة القدس. وبطبيعة الحال، يستفيد سكان القدس الفلسطينيون إلى حد ما من أنظمة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية الإسرائيلية المتقدمة التي لا يستطيع إخوانهم في السلطة الفلسطينية إلا أن يتخيلوها فقط. ولكنهم رغم ذلك يستمرون في تعريف أنفسهم بوصفهم فلسطينيين، حيث لم يوافق سوى مائة ألف فقط من أصل ثلاثمائة ألف هم سكان القدس من الفلسطينيين على التقدم بطلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية.
لكن قضية القدس تشكل موضوعاً لنوع أكثر جوهرية من الارتباك: ما هي الحدود الفعلية لمدينة القدس؟ في ظل الروح المتعجرفة التي سادت بعد العام 1967، وسعت الحكومة الإسرائيلية حدود المدينة من 10875 فدانا إلى أكثر من 31 ألف فدان. وادعاء نتنياهو بأن القدس الموسعة على هذا النحو هي عاصمة الشعب اليهودي المذكورة في الكتاب المقدس ليس أكثر من مهزلة تاريخية.
إن القدس الواقعة تحت سيطرة جماعات يهودية أرثوذكسية متزمتة وغير منتجة، وفلسطينيين مجردين من حقوقهم محكوم عليها بالانهيار الاقتصادي والسياسي. والواقع أن خطة كيري التي تقترح تقسيم المدينة على أسس عرقية تأتي بمثابة الفرصة الأخيرة السانحة لإسرائيل لتجنب مثل هذه النتيجة، وإضفاء الشرعية على المدينة كعاصمة لها معترف بها دولياً.
في حال موافقة نتنياهو على تقسيم القدس، فإنه يبدأ بهذا التحول الذي طال انتظاره بعيداً عن مشاعر الغطرسة والغرور وجنون العظمة التي دفعت المدينة إلى حالتها الراهنة من الركود والعزلة. والتخلي عن القدس "الموحدة" هو السبيل الوحيد لضمان وضع المدينة "الأبدي".

*وزير خارجية إسرائيلي سابق، والذي يعمل الآن نائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام. وهو مؤلف كتاب "ندوب الحرب، جراح السلام: المأساة العربية-الإسرائيلية".
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق