النظام العالمي ما بعد روسيا

تم نشره في الأربعاء 26 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • معارضة أوكرانية تتحدى قوات مكافحة الشغب خلال الاحتجاجات الشعبية هناك - (أرشيفية)

غايلز ميريت*

بروكسل- يُخطئ المراقبون إذا تصوروا أن تدخل روسيا في أوكرانيا وأزمة شبه جزيرة القرم التي أعقبت ذلك التدخل تشكل بداية للحرب الباردة الثانية. ولكن، في حين أن العواقب المترتبة على تحدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتن للقانون الدولي والرأي العام ستكون مختلفة تماماً عن تداعيات الحملة الطويلة التي شنها الاتحاد السوفييتي لإلحاق الهزيمة بالرأسمالية، فمن المؤكد أن التأثيرات الجيوسياسية غير المقصودة لن تقل عن تلك التداعيات خطورة، إن لم تكن أشد جسامة.
تبدو روسيا وأنها تعمل بكل هِمة على تهميش نفسها في الاقتصاد العالمي. وبهذا، فإنها تنذر بقدوم حقبة جديدة في العلاقات الدولية. ولن تكون العقوبات الدولية سوى العاقبة الأولى. فالأسواق والبنوك تُعاقِب عدم اليقين، ولذلك، سوف ينعزل الاقتصاد الروسي تدريجياً عن التجارة والاستثمار العالميين ويتجه نحو مستقبل من النمو البطيء أو انعدام النمو.
وهي جنازة لروسيا ذاتها بطبيعة الحال. أما العواقب الأوسع نطاقاً فسوف تتلخص في زعزعة أركان السياسة الدولية وتقويض محاولات الحكومات لمعالجة المشاكل المشتركة، من الحوكمة العالمية إلى تغير المناخ. بل وقد تكون النتيجة إيجابية، حيث تفتح الأحداث في أوكرانيا الطريق، على نحو غير متوقع، إلى عملية إعادة تنظيم كبرى للبلدان الناشئة سريعة النمو، والتي ستلعب أدواراً حاسمة في القرن الحادي والعشرين.
سوف تكون النتيجة الأولى للمواجهة بين الغرب وروسيا هي وضع نهاية لمجموعة البريكس. فعلى مدى عشر سنوات أو أكثر، كان التجمع المكون من البرازيل وروسيا والهند والصين ثم جنوب أفريقيا مؤخراً فاعلاً رئيسياً في السياسة العالمية، فتحدى قوة ونفوذ أوروبا وأميركا الصناعيتين. ولكن، مع اقتراب روسيا من التحول إلى دولة منبوذة على الصعيد الدولي، سواء باستبعادها أو بانسحابها من الأسواق العالمية والمحافل الدولية متعددة الأطراف، فيبدو أن أيام قمم ومؤسسات مجموعة البريكس، مثل بنك التنمية الوليد التابع للمجموعة، باتت معدودة.
قد لا تنحل مجموعة البريكس رسمياً، ولكن من الصعب أن نتصور أن البلدان الأعضاء الأربعة الأخرى قد تكون على استعداد لتعريض مواقعها في الاقتصاد الخاضع للعولمة للخطر بالانجرار إلى الصراع الروسي مع العالم. وشيئاً فشيئاً، فإن فكرة تمثيل المجموعة لصوت متماسك في الشؤون العالمية سوف تُدفَن بهدوء.
الواقع أن روسيا الشاردة، العازمة على ملاحقة سياسات خارجية عدائية وإنشاء كتلة تجارية تتألف من "الاتحاد الأوراسي"، تفرض مخاطر واضحة. بيد أن النتيجة الأكثر أهمية تتلخص في الكيفية التي قد تتم بها إعادة ترتيب شركاء روسيا السابقين في مجموعة البريكس مع غيرها من الاقتصادات الناشئة الكبرى في مجموعة العشرين.
فلنتأمل هنا استقبال الساحة العالمية لمجموعة "ميكتا" -المجموعة الجديدة التي تتألف من المكسيك وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وتركيا وأستراليا. ويخطط وزراء خارجية هذه البلدان للاجتماع قريباً في المكسيك لمناقشة أجندة مشتركة بشأن قضايا الحوكمة العالمية. وعندما التقوا أول مرة تحت راية ميكتا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) الماضي، بدت المبادرة أكثر قليلاً من نادٍ للبلدان التي لم تتأهل لسبب أو آخر لعضوية مجموعة بريكس، ولكنها لم ترق إلى وضع القوى الكبرى.
سوف تغير الصعوبات التي جلبتها روسيا على نفسها كل ذلك. فمع اقتراب تحالف بريكس من التحول بين عشية وضحاها تقريباً إلى كيان ذي شخصية مختلفة تماماً، يصبح الطريق ممهداً لنشوء تجمع أكبر كثيراً من البلدان التي تشترك في العديد من المخاوف والهموم نفسها.
تشترك بلدان مجموعة ميكتا في النمو الاقتصادي السريع والنفوذ المتزايد خارج حدودها. وهي تعاني من مشاكل في مجال التنمية، ولكنها تُعَد أيضاً نماذج للدينامية الاقتصادية والإبداع، ولديها مصلحة كبيرة في تحديد الطريقة التي يجب أن تعاد بها صياغة مؤسسات وقواعد الاقتصاد العالمي في مرحلة ما عبد الحرب العالمية الثانية. والعديد من طموحاتها والتحديات التي تواجهها تتوافق مع نظيراتها لدى بلدان مجموعة البيكس (البريكس بعد استبعاد روسيا).
في المزيج المتباين الذي يؤلف السياسة الدولية، قد يتبين في نهاية المطاف أن تحالفاً قوياً بين تسعة أعضاء مثل (بيكس-ميكتا) سيكون ثقيلاً وغير عملي إلى الحد الذي يجعل تطبيقه مستحيلاً. والخلاصة رغم ذلك هي أن غياب روسيا المقبل من المشهد المتعدد الأطراف سوف يكون الحافز لنشوء فكر جديد في التعامل مع التحديات العالمية. والسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كان هذا من شأنه أن يحيي مجموعة العشرين أو يدمرها.
يبدو من الواضح الآن أن عضوية روسيا في مجموعة الثماني سوف تُلغى قريبا، وأن المجموعة سوف تعود إلى أصلها بوصفها مجموعة الدول السبع التي تضم الولايات المتحدة وكندا واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. أما إلى أين قد يقود ذلك مجموعة العشرين -بما في ذلك استمرار مشاركة روسيا فيها- فهو أمر يبدو أقل وضوحاً. كانت مجموعة العشرين آلية مخيبة للآمال إلى حد ما في معالجة القضايا العالمية، كما أن فكرة جلب عمالقة الاقتصادات الناشئة إلى المنتدى نفسه الذي يضم الاقتصادات الصناعية الرائدة، لم تُثمِر بعد أي إنجازات قابلة للقياس.
لكن الأمر الواضح الآن هو أن إقدام بوتن في عالم اليوم المتزايد الترابط على إقصاء روسيا عن كل مؤسسات المجتمع الدولي على هذا النحو يبدو من قبيل إلحاق الهزيمة بالذات. فبعد مرور جيل منذ انهيار الشيوعية، بدأ اقتصاد روسيا -ومستويات معيشة مواطنيها- يتعافى. ولكن مجموع سكانها الذي يتقلص بسرعة بسبب الشيخوخة السكانية، واعتمادها على الطاقة والصادرات من السلع الأساسية، من العوامل التي تجعل هذا التعافي هشاً للغاية. وسوف يكتشف الكرملين قريباً أنه أكثر تأثراً بالأحداث والتطورات الخارجية مما قد يعترف به حتى الآن.

*محرر "عالم أوروبا" ويترأس المؤسستين الفكريتين "أصدقاء أوروبا" و"أجندة الأمن والدفاع" في بروكسل.
*خاص بـ _، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تصورات خاطئة (هاني سعيد)

    الأربعاء 26 آذار / مارس 2014.
    سعت الولايات المتحدة الى تحطيم الشيوعية منذ زمن بعيد بتحريض دول كثيرة على الاتحاد السوفياتي وتجنيد ما امكنها تجنيده ضد روسيا وقد تم لها ما ارادت لما لها من اعلام على المستوى العالمي بحيث انها صورت الوضع ان الروس يشحدون الزبدة في ذلك الوقت .
    الخديعة الثانية كانت في ليبيا ولكنها فشلت في المشكلة السورية ، فلو كان صحيحا ان ما أورده الكاتب من ان روسيا تعمل على تهميش نفسها ما استطاعت روسيا ان تتعافى من ازماتها السابقة الذي سببتها الولايات المتحدة لها
  • »أوهام (طايل الحجي ذيابات)

    الأربعاء 26 آذار / مارس 2014.
    من يعتقد أنه سيكون هنالك "نظام عالمي ما بعد روسيا"؟ هذا لن يكون إلا بحرب عالمية تنهي روسيا كدولة عظمى؛ فهل تفكر أو تجرؤ أي من دول العالم على تبني هذا الخيار؟ أما بالنسبة لدول "مجموعة البريكس" فقد استهدفت منذ تأسيسيها زعزعة النظام المالي العالمي القائم على الدولار الأمريكي، ولا أعتقد أن بقية الدول الأعضاء بالمجموعة ستقبل بعزل روسيا، وما يؤكد هذه الحقيقة رفض المجموعة لإقصاء روسيا من مجموعة (الـ 20)، فعلى النقيض مما أورده الكاتب لا أعاتقد أن الغرب سيلجأ إلى عزل ومعاقبة نفسه. أضف إلى ذلك دور روسيا المعروف في سوق الطاقة العالمية.