كتاب يستذكرون العطاء الزاخر في التاريخ لعبد الكريم الغرايبة

تم نشره في الأحد 6 نيسان / أبريل 2014. 12:00 صباحاً
  • الراحل عبدالكريم غرايبة - (الغد)

عمان -  يستذكر مؤرخون وكتاب عطاء الشيخ المعلم عبد الكريم الغرايبة، علما وباحثا ومؤرخا، قضى سنوات عمره مدونا في التاريخ، وفق منهج علمي رصين، حتى غدا علامة لافتة في علم التاريخ العربي والإنساني.
يعد العلامة الغرايبة، الذي ولد في قرية المغير بإربد العام 1923، أول أردني يحصل على شهادة الدكتوراة، وأول من نال الدكتوراة في تاريخ الدولة الأردنية، لقب بشيخ المؤرخين الأردنيين، كانت حياته زاخرة بالعطاء والعمل الأكاديمي على مدى 60 عاماً، حيث تخرج على يديه آلاف الطلبة ومئات الأساتذة.
وكانت رسالة الراحل في أول دكتوراة نالها العام 1947 حول (التجارة الإنجليزية في سورية خلال القرن الثامن عشر)، وخلال إقامته في دمشق عمل بالتدريس في جامعتها لثمانية أعوام، ثم انتقل للعمل في جامعة الملك سعود بالرياض، إلى أن جاء تأسيس الجامعة الأردنية العام 1962 ليكون من أوائل من وضعوا لبناتها، فعمل منذ ذلك أستاذاً للتاريخ.
وكالة الانباء الأردنية (بترا) التقت عددا من الباحثين ومحبي وتلاميذ الشيخ المعلم للحديث عن عطائه وانجازاته، إذ يقول رئيس مجمع اللغة العربية الأردني الدكتور عبد الكريم خليفة: عرفت الراحل الشيخ المعلم استاذا لقسم التاريخ ثم رئيسا للقسم بالجامعة الاردنية وعميدا لكلية الآداب فيها ، وكانت له مؤلفات عديدة من بينها (الاتراك والعرب عبر التاريخ) وله آراء متميزة في البحث التاريخي تتمحور حول النفاذ إلى الروايات والنصوص حول المعلومة والشك فيها، ثم اصبح عضوا في المجمع منذ ثمانينيات القرن الماضي حيث توطدت علاقتي به ، وكان يثري المناقشات والمصطلحات لاسيما في العلوم الانسانية في المجمع.
ويؤكد الاستاذ خليفة انه كانت للراحل الغرايبة مدرسة خاصة في فهم التاريخ، ويعد من المؤرخين على مستوى الامة العربية، منوها بان على المهتمين الرجوع الى كتبه على موقع مجمع اللغة العربية.
تقول المؤرخة الدكتورة هند أبو الشعر ان ذاكرة الشيخ المعلم كانت مدربة على الشك والتحليل والتنقيب والجمع والربط والاستنتاج، مضيفة "لا أصدق أن الذاكرة البشرية تقبل بأن تتوقف عن النمو والاختزان، وأتصور أن الأحباء الذين رحلوا تركوا لنا ذاكرتهم، خبأوها معنا، وديعة لا تقدر بمال الأرض كله ".
وتتوقف عند أول ذكرياتها عن أستاذها الذي تتلمذت على يديه في كل مراحل دراستها الجامعية ، فتقول "أجده حاضرا بقوة، ربما لأنه حفر في العمق بأسلوبه العجيب في نبش المعلومات المخفية، والتي يجهد بعض الأكاديميين بإخفائها، ليبرزوا فقط الجوانب المضيئة في تاريخ الشخصيات التي لمعتها ذاكرة الأمة، هو لا يخبئ عنا صورة (النيجاتيف) ويقدمها بلا مواربة، كان الأمر يصدمنا ونحن في أول الدرب، لكنه كان يقول الحقيقة ويعلمنا أن علينا أن نكون في خانة الموضوعية، ولا نخاف.
وتستذكر ابو الشعر، أن للغرايبة طريقة خاصة في تدريبنا على الكتابة، حيث كان يكره الكلام الفضفاض ويريد التعبير المباشر، وهو بالتأكيد ما لم يتوافر عادة لطلبة التاريخ، مبينة انه في إحدى محاضراته، أملى علينا إملاء (وهو ما لا يفعله عادة) شروطه للكتابة في امتحاناتنا وفي أوراقنا البحثية، وهي شروط يجب أن نعممها على طلبة الدكتوراه الذين لا يحسنون التعبير بلغة واضحة وخالية من الأخطاء القاتلة.
ويقول الكاتب والباحث الدكتور مهند مبيضين مدير مكتبة الجامعة الاردنية: عبد الكريم غرايبة، انكفى مؤرخا مستقلا وعاديا، محباً للطلبة وكثير الفضول، حيث يهتم بتاريخ الأمم والشعوب والأحداث النوادر والسنين الفواجع والكوارث وقيام الدول، وكان مهتما بعلم التاريخ.
ويضيف ان الغرايبة كان جريئا في آرائه وافكاره، ارتضى بموقعه كمعلم تاريخ، وكان ملتزما بالتعليم والتعلم، لم يكن مسعاه في الحياة إلا تعبيرا عن طموحه الذي ارتضاه، ولم يدع أي كشف او تطوير لمنهج تاريخي، والتزم الوفاء لاصدقائه وتدريس التاريخ .
ويؤكد مبيضين أن العلامة الغرايبة بدأ في مجمل معارفه مثقفا موسوعياً، حيث انتمى لجيل مؤرخين كبار أمثال عبد العزيز الدوري ونقولا زيادة وأبو القاسم سعد الله، لافتا الى انه يغيب تاركا ثروة من المعارف ومكتبة كبيرة ومشروعا توثيقيا.
ويقول الكاتب ارحيل الغرايبة كنت أصاب بالدهشة من ذاكرة الرّجل، وحضوره الذهني، في كل مرة أقابله بها، مع أنه نيّف على التسعين عاماً، وعندما زرته وهو يرقد على سرير الشفاء في العناية الحثيثة، وتم اجراء عملية جراحية في جمجمته، نظر اليّ مبتسماً، وكنت على علم أنه لا يعرف من يأتيه، وعندما سألته عن حاله بادرني بالسؤال: ما أخبار زمزم ؟ فتيقنت أنه عرفني تماماً، وأنه ما يزال يتمتع بتلك الذاكرة الواعية.
ويقول استاذ النقد الحديث في الجامعة الأردنية الدكتور ابراهيم خليل ان الراحل الغرايبة ظل قدوة للطلبة يقترب منهم أقصى ما يستطيع ليسبر أغوارهم ويتعرف على مشكلاتهم متضامنا معهم، إذا أحاطت بهم الضغوط، وغلبت عليهم الصراعات، وعلى الرغم من أنه شغل منصب عميد لكلية الآداب لسنوات عديدة، فقد كان نعم العميد، لا يكاد أحد يشعر أو يحس بسلوك أو تصرف بيروقراطي منه، بل كان يفضل البقاء في الظل، فلا يحب الأضواء، ولا يفتعل المعارك مع الآخرين.
يشار الى انه سيقام حفل تأبين للمؤرخ العلامة عبد الكريم غرايبة في الساعة الخامسة من عصر يوم الأربعاء السادس عشر من الشهر الجاري في القاعة الرئيسية في المركز الثقافي الملكي، يتحدث فيه عدد من السياسيين والعلماء والأكاديميين والمثقفين.- ( بترا ) 

التعليق