لتجنب حدوث "رواندا" أخرى.. كل ما يلزم قوة صغيرة حسنة التدريب

تم نشره في الأحد 13 نيسان / أبريل 2014. 12:00 صباحاً
  • شباب يحملون مشعل التذكار إلى مقبرة قرية رواندية حيث تُحكى القصص عن فظاعات الإبادة الجماعية – (أرشيفية)

ديفيد بلير — (الديلي تلغراف)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


جرى في الأيام الأخيرة حمل مشعل التذكار عبر التلال الرواندية الخضراء اليانعة، لإحياء الذكرى السنوية العشرين لعملية الإبادة الجماعية التي وقعت هناك. ففي الساعات الأولى من يوم 7 نيسان (أبريل) من العام 1994، دخلت حيز التنفيذ عملية تم التخطيط لها بعناية، والتي هدفت إلى محو الأقلية التوتسية في ذلك البلد من الوجود.
ولعل أفضل وصف لما تم بعد ذلك هو الذي ورد في الكلمات المقتضبة للجنرال روميو دالاير، الذي كان يعمل في ذلك الوقت قائداً لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في رواندا. وقد كتب الجنرال: "في غضون 100 يوم فقط، قتل أكثر من 800.000 رجل وامرأة وطفل من الروانديين الأبرياء بشكل وحشي، بينما وقف العالم المتقدم بلا مبالاة ولا اكتراث كما يبدو، وهو يشاهد الكارثة المتكشفة".
 تضم مذكرات الجنرال دالاير اللاذعة عن الأيام المائة المغموسة بالدماء تحت عنوان "مصافحة الشيطان" درساً ذا أهمية أزلية. وفيها يعرض هذا الجندي الكندي المميز تقييمه المهني، ومؤداه أنه كان بإمكان مجرد قوة مؤلفة من 4000 جندي مدرب فقط، مزودة بتفويض يسمح باستخدام القوة لحماية المدنيين، أن توقف عملية الإبادة الجماعية في مهدها. وبسبب العوز إلى حفنة من الجنود، قضى 800.000 شخص نحبهم.
لماذا كان يمكن أن تكون هذه القوة المتواضعة كافية؟ تتكون الإجابة من شقين. أولاً، لا تتوافر رواندا على كميات شاسعة من الأراضي أو الأراضي غير المأهولة التي يمكن أن يجد فيها القتلة الملاذ. وبدلاً من ذلك، فإن هذا البلد المكتظ بالسكان يتجاوز قليلاً مساحة مقاطعة ويلز. ولحسن التدبير، فإن رواندا تتوافر على شبكة جيدة من الطرقات المعبدة.
ثانياً، رجال مليشيات "إنتراهاموي" الذين تلطخت أيديهم بالدماء —الاسم يعني"الذين يَقتلون معاً"- غالباً ما ارتكبوا مجازرهم وهم مسلحون بما لا يزداد تطوراً عن المناجل. ولذلك، لم يكن بمقدورهم مقاومة الجنود المناسبين، القادرين والراغبين في وقف القتل الجماعي من خلال استخدام القوة. فكم هو عدد المواجهات التي كان بوسع هؤلاء الأشرار الصمود فيها أمام كتيبة من المشاة الأميركية أو البريطانية مثلاً؟
إن ما يعلق في الذاكرة حول عملية الإبادة الجماعية في رواندا لا يقتصر على مدى إراقة الدماء وحسب، وإنما حقيقة أنه كان من الممكن الحيلولة دون وقوعها أيضاً.
حتى في الوقت الحالي، ما يزال من الصعب تصديق حقيقة الإهمال واللامبالاة اللذين سمحا للجائحة بأن تقع. فقبل ثلاثة أشهر من بدء عملية الإبادة الجماعية، كان مخبر من داخل نظام الهوتو المتطرف قد أخبر الجنرال دالاير بما كان سيحدث بالضبط. كان يجري إعداد قوائم بالتوتسيين المنذورين للقتل، بينما كان يجري تجنيد المليشيات، ويجري تكديس الأسلحة في أربعة مواقع في العاصمة، كيغالي.
وقد مرر الجنرال دالاير هذه المعلومات الاستخباراتية إلى رؤسائه في المقر الرئيس للأمم المتحدة في نيويورك، وطلب الإذن بعمل اللازم ومصادرة مستودعات الأسلحة. لكن كوفي أنان، الذي كان في ذلك الوقت قائد قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام اعترض على هذا الاقتراح، خشية إزعاج الحكومة الرواندية. ومن الصعب معرفة كيف تعافت سمعة السيد أنان من هذا التردد الجبان في العام 1994.
عندما بدأت المجازر، كان لدى الجنرال دالاير 2500 جندي فقط –وتم إبلاغه بأنهم يستطيعون إطلاق النار "في حال أطلقت النار عليهم فقط". ومثل العديد من قادة الأمم المتحدة، وجد أن معظم جنوده كانوا عديمي الفائدة؛ فقد ضموا 1100 بنغلاديشياً اتسموا بالجبن وبتدني المعنويات إلى درجة أنهم درجوا على تخريب عرباتهم خشية تكليفهم القيام بأعمال الدورية. وعندما قتل 10 جنود بلجيكيين في اليوم الأول من الإبادة الجماعية، ردت بروكسل بالضبط بالطريقة التي أرادها القتلة، بسحب كامل كتيبتها المكونة من 450 جندياً.
ومن جهته، اختار مجلس الأمن المزيد من خفض عديد القوات التي يقودها دالاير، تاركا له 450 جندياً وحسب في أوج ارتكاب الإبادة الجماعية. وقد تُرك مهجوراً ومن دون حول ولا قوة، ليتعذب بالعيون "المحمرة المرتعبة، والمحتارة" للناس الذين كانوا يُذبحون من حوله يوماً بعد يوم.
هكذا، وعندما تجلب هذه الذكرى مرة أخرى تلك التعويذة الطقوسية "ليس ثانية أبداً"، دعونا نتذكر ما يعنيه ذلك. ففي التحليل النهائي، يجب أن تعني هذه المقولة توفر رغبة التدخل بالقوة لمنع وقوع الشر، وهي مهمة تستطيع أن تنهض بها الجيوش وحسب.
في هذا الصدد، ثمة أخبار جيدة وأخرى سيئة. فقد أظهرت حالات أكثر حداثة مرة أخرى أن قلة من الجنود المدربين على نحو جيد يمكن أن يوفروا تأثيراً غير متكافئ على الأزمات الإفريقية. وبعد ستة أعوام من الإبادة الجماعية في رواندا، استطاع جنود بريطانيون يقل عددهم عن 800 جندي تخليص عاصمة سيراليون، فريتاون، من السقوط بأيدي جيش وحشي من الثوار. وقد استطاعوا بتلك العملية تغيير مجرى التاريخ في بلد يعيش فيه خمسة ملايين مواطن. وفي العام الماضي، فكت قوة فرنسية قوامها 4500 جندي قبضة تنظيم القاعدة عن شمالي مالي. ومن دون هذا التدخل في وقته، كان هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 15 مليون نسمة سيسقط في أيدي الحركة الإرهابية.
وفي الكونغو -جارة رواندا والمكان الذي وجدت فيه المليشيات التي كانت وراء الإبادة الجماعية ملجأ- تلقت فرقة من 3000 جندي الإذن بالانتقال إلى الحالة الهجومية في العام الماضي، فدمرت في الحال القوة المقاتلة لثوار "ام 23" التي كانت قد شردت مئات الآلاف من الناس.
أما الأخبار السيئة، فهي أن خفض النفقات الدفاعية الغربية يعني أنه سيكون هناك عدد أقل من الجنود اللازمين لأداء هذه المهام الحاسمة. وعليه، وعندما نتحدث عن مساعدة إفريقيا، فإن ذلك يجب أن يعني ما هو أكثر من إرسال مساعدات. إننا إذا كنا جادين في قول "ليس ثانية أبداً" في رواندا، فإنه يجب علينا أيضاً أن نكون راغبين في استخدام القوة لمنع القتل الجماعي أينما كان. وفي مثل تلك الظروف التعيسة، لن يساوي كل موظفي الإغاثة ومستشاري التنمية في العالم كتيبة واحدة من المشاة المدربين.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: To prevent another Rwanda, all it takes is a few well-trained troops

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق