لاجئو سورية الفلسطينيون في لبنان: خيارات يائسة وسط أزمة ممتدة

تم نشره في الأربعاء 16 نيسان / أبريل 2014. 12:00 صباحاً

نادية سعد الدين

بيروت - ينضم لاجئو سورية من الفلسطينيين إلى نظرائهم في مخيمات لبنان للمرة الثالثة على التوالي لإحياء ذكرى "النكبة" السادسة والستين، عقب انسداد أفق حل الأزمة السورية، وتضاؤل آمال العودة القريبة، ما ينذر بارتفاع عددهم من 57 ألفاً إلى 80 – 100 ألف لاجئ حتى نهاية السنة الحالية.
وتدشن الساحة اللبنانية مبكراً إحياء الخامس عشر من الشهر المقبل بأنشطة متنوعة تكتسب لوناً قاتماً من سواد "نكبة" فلسطين، بعدما فاضت المخيمات الفلسطينية الاثنا عشر، الموزعة في أراضيها، بأكثر من 35 ألف لاجئ إلى جانب قاطنيها الذين يعدوّن النسبة الأكبر من إجمالي قرابة 500 ألف لاجئ مسجلين لدى وكالة الغوث الدولية "الأونروا" في لبنان.
وتحمل فعاليات هذا العام عناوين ثابتة من عمر لجوء "النكبة" وأخرى مستحدثة بفعل الأزمة، تؤكد "حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم عام 1948"، و"الحل السياسي للأزمة السورية"، بينما تنطلق اليوم الحملة الدولية للحفاظ على الهوية الفلسطينية "انتماء"، في عامها الخامس.
وتشغل مطالب "الحقوق المدنية والاجتماعية العادلة" حيزاً معتبراً في شعارات الحراك المستمر حتى نهاية الشهر القادم، في ظل أعباء إضافية لم تتمكن "الأونروا" من مواجهتها، نظير تراجع خدماتها المقدمة للاجئين الفلسطينيين منذ سنوات.
شواهد الأزمة السورية
ويشكل مخيم صبرا وشاتيلا، الذي تأسس في العام 1949 جنوب بيروت، نموذجاً لشواهد الوضعية المجتمعية الهشة، وانسداد أفق التسوية السلمية، والأزمة السورية، عدا عن كونه بؤرة التجاذب اللبناني الداخلي والتناحر الفصائلي الفلسطيني، وموضع استقطاب حاد لأزمات سياسية وأمنية واجتماعية، وجدت طريقها الفرعي في جرائم القتل والسرقة وتفشي المخدرات.
وقد أضافت تبعات الأزمة السورية حوالي 950 عائلة من اللاجئين الفلسطينيين إلى قرابة 12 ألف لاجئ يقطنون المخيم، ضمن مساحة لا تزيد على كيلو متر مربع، وينحدر معظمهم من شمال فلسطين لجأوا إليه بعد تهجيرهم قسراً عام 1948 بفعل العدوان الصهيوني.
ويشكل هؤلاء من تبقى، سواء الأحياء أم المنحدرون منهم، من مجزرة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون الذي لقي حتفه مؤخراً بعدما خلف 4 آلاف شهيد ضمتهم مقبرة جماعية عند مداخل المخيم، فضلاً عن شهداء آخرين من الفلسطينيين واللبنانيين العزل، غالبيتهم من الأطفال والنساء وكبار السن، كانوا ضحايا مذبحة 16 أيلول (سبتمبر) 1982.
ولأن الحيز الأفقي للمخيم محدود، أسوة بأقرانه من المخيمات الأخرى، فقد بات التوسع بالبناء العمودي معوّل إنقاذ، غير مأمون النتائج دوماً، لاستيعاب بعض النازحين الجدد، بينما تمت استضافة العدد الأكبر منهم في نفس الوحدات السكنية لأهالي المخيم، والتي لا تتعدى مساحتها عن 80 إلى 90 متراً في أحسن الأحوال.
وقد تسبب "البناء فوق الطابق السادس المسموح به قانوناً في تصدّع الأبنية، وانهيارها كما حدث سابق، بسبب الاكتظاظ السكاني وسوء البنية التحتية وضعف الأساسات وعدم جودة مواد البناء المستخدمة"، وفق المسؤول الإعلامي للجنة الشعبية في المخيم محمد حمدان.
وقال، لـ"الغد" من لبنان، إن "توفير السكن يعدّ تحدياً ثقيلاً مضافاً إلى ضعف خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي وانتشار الأوبئة والأمراض"، واصفاً وضع المخيم حالياً "بالمزري والمأساوي".
ويتراءى مشهد المخيم بظلاميته في أزقة ضيقة يشقها ضوء النهار بصعوبة، مكدّسة بمخلفات إهمال عاملي النظافة التابعين "للأونروا"، بين جوانب محال تجارية متواضعة ووحدات سكنية مكتظة ورطبة، نتيجة تغلغل قنوات تصريف مفتوحة داخلها، متسببة في مكاره صحية وظروف بيئية سيئة، إزاء مشروع لم يكتمل بعد لتوسعة شبكة الصرف الصحي ونظام تصريف مياه الأمطار وشبكة المياه.
ويمتلئ البيت الواحد داخل المخيم "بمعدل 10 – 15 فرداً، يتقاسمون جميعاً الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية الضئيلة"، وفق عضو اللجنة الشعبية لطفي إسماعيل.
وقال، لـ"الغد" من لبنان، إن "بعض المؤسسات الخدمية الخاصة تقدم المساعدات، ولكنها لا تفي أقل من 10 % من احتياجات أهالي المخيم، بينما تطل مشكلة المأوى برأسها أمام تدفق أعداد هائلة للنازحين الفلسطينيين من سورية".
ويقع الأطفال اللاجئون خارج حساب التحديات صوب مقارعة تبعاتها، فترى بعضهم يمرحون عبر دهاليز المخيم وأزقته الخانقة، ويخطون عبارات "العودة" و"الوطن المحتل" فوق المساحات الخارجة عن يد القوى السياسية الفصائلية.
بينما يزاحم أطفال لاجئي سورية أقرانهم في شق طريق العمل المبكر بعيداً عن مقاعد الدراسة، إما تسرباً مؤقتاً أو "خروجاً بلا عودة"، أمام قائمة "الممنوعات" من المهن التي طالت أرباب أسرهم أيضاً، قياساً باللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ "النكبة".
وتقدر معطيات "الأونروا" حوالي 35 % فقط من لاجئي سورية في لبنان قد التحقوا بالمدرسة، وهو الأمر الذي أرجعته إلى "مشكلة العائلات في التكيف أو إيجاد مسكن مستقر، بما رتب أعباء متزايدة عليها".
قائمة "ممنوعات العمل"
ويقف تحدي الالتحاق بالعمل عائقاً كبيراً أمام معيشة لاجئي سورية، ما يضطرهم للاستعانة بأقربائهم، من ذوي الدخل المحدود أصلاً، أو بخدمات "الأونروا" الآخذة بالتقلص.
ورأى مدير مركز العودة الفلسطيني في لبنان علي الهويدي إن "الاكتظاظ السكاني داخل المخيمات ألقى أعباء إضافية على العائلة المضيفة نفسها، وتسبب في بروز ندوب اجتماعية سلبية عبر ارتفاع نسبتي الفقر والبطالة ونسب الطلاق والزواج المبكر والأطفال المتسولين في الشوارع".
وقال، لـ"الغد" من لبنان، إن هذا الوضع "انعكس أيضاً على الجانب الصحي، من خلال تزايد حالات الأمراض المزمنة، وتعاظم إشكالية المأوى، وتحديات أمنية ثقيلة، بينما شكل التسرب من المدارس أو مغادرتها نهائياً مشكلة حادة".
وتوقف عند البعد التعليمي، في ظل "وجود حوالي 7 آلاف طالب فلسطيني مهجر من سورية في مدارس الوكالة، ما شكل عبئاً إضافياً في ظل تحديات الأبنية المستأجرة والغرف الصفية المحدودة، والاكتظاظ الطلابي، والعمل بنظام الفترتين". وأشار إلى أن "الخدمات المقدمة من الأونروا لا تنسجم مع الاحتياجات الملحة للاجئين"، ما يتطلب "الدعم المالي من الدول المانحة حتى تتمكن الوكالة من تأدية مهامها في ظل الأعباء الإضافية التي تتحملها".
ووفق معطيات الأونروا، فإنها "ستقوم خلال الفترة المقبلة بتقدم المساعدة الانسانية الطارئة لقرابة 440 ألف لاجئ فلسطيني من المتضررين في سورية، ونحو 80 ألف – 100 ألف لاجئ فلسطيني من سورية في لبنان وحوالي 20 ألف في الأردن وقرابة 1.200 في غزة".
وكانت الأونروا قد طلبت مبلغ 417,4 مليون دولار، لتخصيص 310 ملايين منها لدعم الاحتياجات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين داخل سورية، مقابل 90,4 مليون دولار للبنان ومبلغ 14,6 مليون للأردن.
البحث عن مأوى
وقالت إن "الضغط على المخيمات الموجودة، والتي كانت تعاني من معدلات مرتفعة من الفقر والحرمان قبل هذا التدفق، قد أصبح هائلا، الأمر الذي يجعل لبنان وبشكل متزايد خياراً يائساً بالنسبة للاجئين".
وأوضحت بأن "المسكن يشكل همّا أساسياً، حيث أن العدد الكبير من لاجئي سورية يعمل على الحد من احتمالات العثور على مسكن ميسور، بينما أدى نقص المساكن إلى ارتفاع الإيجارات، بما في ذلك في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين القائمة بالأصل".
وتحدثت عن إشكالية "ضمان سبل تلقي الرعاية الطبية المناسبة"، محذرة من "تدهور ظروف الصحة البيئية في المخيمات المكتظة مع حلول فصل الصيف".
واعتبرت أن "تأمين الحماية اللازمة يعدّ أحد أولويات الأونروا في لبنان، حيث تعمل "قوانين التفرقة" على الحد من فرص التوظيف وسبل الوصول للخدمات بالنسبة للاجئين الفلسطينيين".
وتجد "قوننة التمييز"، التي شرعتها المؤسسة البرلمانية اللبنانية مؤخراً بتحديد المهن المحظورة أمام اللاجئين الفلسطينيين، طريقها أمام لاجئي سورية منذ أن تطأ أقدامهم الحدود مع لبنان.
وأوضحت الأونروا إن "لبنان تعمل على تطبيق سياسة منفصلة للتأشيرة للاجئين الفلسطينيين الذين يدخلون البلاد، وهي مرتفعة الثمن ولا تمنح سوى وقت إقامة محدود".
وأضافت إن "صعوبة المحافظة على وضع قانوني ساري المفعول في لبنان يمكنه أن يجعل اللاجئين غير مستحقين للتسجيل المدني ويمنع سبل وصولهم إلى مخيمات معينة للاجئين، ما يؤدي بالتالي إلى زيادة درجة ضعفهم".
ويحتاج "اللاجئ من سورية إلى تقديم تبرير مقنع لأمن الحدود عن سبب دخوله الأراضي اللبنانية، وإذا حالفه الحظ في ذلك فإنه مطالب بتصريح خاص من الجيش اللبناني لدخول المخيمات الفلسطينية يتم تجديده شهرياً، بالتنسيق مع اللجان الشعبية فيها"، وفق قول هويدي.
أما العودة من خط لبنان – سورية، والتي تمت مؤخراً بأعداد معتبرة، "فلا تستلزم أي اجراءات، سوى دفع مبلغ مالي غير قليل نظير أي مخالفة للإقامة"، بحسبه.
أمن المخيمات
وتعد اللجان الشعبية المشكلة من القوى والفصائل الفلسطينية سيدّة الموقف داخل المخيمات، ولكنها لم تتمكن، غالباً، من الحفاظ على أمنها، إزاء تداخلات خارجية وداخلية متقاطعة، جعل منها بؤرة صراع حاد، اكتسى بالدموية أحياناً.
ورأى مسؤول اللجنة الأمنية عن مخيم صبرا وشاتيلا أبو وسيم حزينة أن "المبادرة الفلسطينية التي وقعتها القوى الفلسطينية ستنعكس ايجاياً على أمن المخيمات، شريطة تنفيذها بعيداً عن تدخل أطراف خارجية، والتجاذبات القائمة بين الفصائل نفسها".
وقال، لـ"الغد" من لبنان، إن "القوى مع تنظيم السلاح الفلسطيني في لبنان سواء داخل المخيمات أم خارجها، من منطلق وقوفه إلى جانب المقاومة ضد العدو الصهيوني ولن يوجه أبداً للداخل اللبناني"، مؤكداً "رفض مقايضة السلاح بالحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين". 
من جانبه، أكد ممثل حركة "حماس" في لبنان علي بركة إن "السلاح الفلسطيني في لبنان مرتبط بحق العودة"، معتبراً أنه "من الخطأ النظر إلى الملف الفلسطيني في لبنان من الزاوية الأمنية، باعتبار أن الوجود الفلسطيني فيها مؤقت وناتج عن التهجير القسري الصهيوني عام 1948".
وأضاف إلى "الغد" من بيروت إن "معالجة الملف يجب أن تكون شاملة وعلى طاولة حوار سياسي فلسطيني لبناني مشترك"، وفق "رزمة واحدة تطال كافة الجوانب بما يحفظ سيادة وأمن لبنان وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم".
وأوضح بأن "المبادرة الفلسطينية تهدف إلى تحييد المخيمات الفلسطينية عن التجاذبات اللبنانية الداخلية، وتأكيد عدم التدخل الفلسطيني في الشأن اللبناني".

Nadia.saeddeen@alghad.jo

nadiasaeddeen@

التعليق