هل يمتلك السيسي خطة لاقتصاد مصر؟

تم نشره في الثلاثاء 29 نيسان / أبريل 2014. 12:05 صباحاً
  • مصريون في مسيرة مؤيدة للسيسي - (أرشيفية)

محمد الدهشان*
- (فورين بوليسي) 18/4/2014

ترجمة: علاء الدين أبوزينة


يمتلك المتسابق الأوفر حظاً في الانتخابات الرئاسية المصرية التي ستعقد في 28 و29 أيار (مايو)، العديد من النقاط السياسية المرجعية الواضحة. فعلى الجبهة الأمنية المحلية، تتمثل أولويته في القضاء على الإخوان المسلمين. وفي السياسة الخارجية، يقوم باسترضاء جميع الأطراف الدولية الفاعلة، بينما يستثمر في العداء لكل من تركيا، وقطر وغزة. لكن هناك سؤالاً مهماً ما يزال مطروحاً: ما هي السياسة الاقتصادية التي يمتلكها المرشح عبد الفتاح السيسي؟
كان محمد مرسي قد عين عندما كان حينئذ الفريق السيسي وزيراً للدفاع في شهر آب (أغسطس) من العام 2012، ثم قام السيسي بخلع الرئيس نفسه بعد أقل من عام. ومنذ ذلك الحين، أصبح الشخصية الأثر بروزاً وهيمنة في الحياة السياسية المصرية، ووُصف على نطاق واسع بأنه هو الذي يدير البلاد. ويوم 26 آذار (مارس)، أنهى السيسي التكهنات بشأن نواياه الرئاسية، عندما استقال رسمياً من القوات المسلحة المصرية، وأعلن عن نيته الترشح للرئاسة. وقد أحاط السيسي نفسه مسبقاً بفريق من الخبراء الذين سوف ينتجون على وجه السرعة وثيقة للسياسة الاقتصادية خلال الأسابيع المقبلة. ومع ذلك، يمكن في الغضون تعقب بعض الأدلة والمؤشرات على خططه من الرجل نفسه -من خلال تحليل تصريحاته الماضية، والتي كان الكثير منها مرتجلاً وبدائياً إلى حد كبير.
السيسي: "هل فكر أحد بإعطاء راتب شهر لمساعدة الفقراء على العيش؟ هل فكر أحد بالذهاب إلى الجامعة سيراً على الأقدام كل يوم من أجل توفير المال لهذا البلد؟ لا تنزعجوا مني. إنني أرى مصر ومشاكلها. إن البلدان لا تتقدم بالكلمات. إنها تتقدم بالعمل والمثابرة ونكران الذات والإيثار، وربما يلزم جيل أو جيلان حتى يتمكن هذا البلد من العيش".
في تموز (يوليو) 2013، قامت حكومة رئيس الوزراء المستقيل مؤخراً حازم الببلاوي، مدعومة بتدفق السيولة النقدية من الخليج، بوضع سياسة توسعية، وقامت بزيادة الديون والإنفاق مع آمال بتحريك الاقتصاد المحلي. لكن تفكير السيسي يبدو متعارضاً مع هذا، حيث يفضل سياسة تقشف قد تنطوي على فرض ضرائب أعلى (إعطاء راتب شهر)، وتخصيص قدر أقل من الإنفاق على الخدمات العامة (وهو المتضمن في وصفه للنقل الذي يعاني نقصاً في التمويل مسبقاً، والهدر في المال الذي يجب "توفيره"). وهكذا، لن يكون هناك أي من التحسينات السريعة التي يتلهف الناس لرؤيتها؛ وإنما يحذرهم السيسي بدلاً من ذلك من أن أي خير ليس في الطريق إليهم -ولفترة طويلة.
السيسي: "إن شباب مصر هم أملها. وعليهم أن يعطوا ولا يتوقعوا أن يأخذوا أي شيء الآن... إن مصر تحتاج إلى الكثير منا. لا يجب أن يفكر شباب مصر بمتى يتمكنون من الزواج أو بمتى "يعيشون". يجب أن يفكروا ببناء البلد أولاً".
هذا التصريح الذي يستخدم التعريف الغريب نفسه لفكرة "الإيثار"، كما فعل التصريح الأول، هو أمر سخيف ومهين على حد سواء. فمع كون 60 في المائة من السكان تحت سن 30، فإن شباب مصر ليسوا "أملها" -إنهم مصر نفسها. ويمثل هؤلاء الشباب أيضاً 69 في المائة من مجموع العاطلين عن العمل. فما هو الذي ينبغي أن يكون متوقعاً منهم أكثر من ذلك، وكيف يُطلب منهم، من الناحية الأخلاقية، شد الأحزمة على البطون؟ وإذا كان الشباب هم الذين يشكلون الأغلبية في واقع الأمر، فلصالح مَن يُتوقع منهم أن يُضحوا؟ إنه يُطلب إليهم وضع حيواتهم قيد الانتظار. وحتى "العيش" -أي الزواج وتكوين أسرة- أصبح على ما يبدو طموحاً بالغ الترف. وليس المقصود من نكرانهم للذات خلق غد أفضل للأطفال الذين لا ينبغي أن يأملوا أن ينجبوهم، وإنما المقصود تقديم منافع للأجيال الأكبر سناً بدلاً من ذلك، من الذين تمتعوا بغنائم البلاد، ويأملون مواصلة ذلك في قادم الأيام أيضاً.
السيسي: "هناك أكثر من 9 ملايين مصري يعيشون في الخارج. وكلهم تلقوا التعليم في المدارس والجامعات المصرية وعاشوا على التراب المصري. هل فكر أي منهم بإعطاء راتب شهر للفقراء في مصر؟".
ينظر السيسي إلى المغتربين المصريين العاملين في الخارج باعتبارهم بقرة حلوباً جماعية، والتي تتجاهل أنماط إنفاق المصريين العاملين. أولاً، تعيش الغالبية الساحقة من المغتربين في الخارج بدافع الضرورة، يحفزهم على ذلك متوسط المرتبات ومعدلات البطالة التي تبلغ بالإحصاء الرسمي 13.4 في المائة (رغم أن المعدل الحقيقي هو بالتأكيد أعلى من ذلك بكثير). ويعمل الملايين من المصريين المغتربين الذين يتطلع السيسي إلى محافظهم في وظائف وضيعة، وغالباً في ظروف قاسية، وأحياناً تحت خطر فقدان أرواحهم نفسها. والأهم من ذلك أن معظم هؤلاء المغتربين، ومعظمهم من الذكور الذين لا يرافقهم أحد، يقومون بانتظام بإرسال الأموال إلى بلدانهم الأصلية، والتي وصلت قيمتها إلى 19 مليار دولار خلال السنة المالية الماضية. وتشكل هذه التحويلات واحدة من المصادر الرئيسية لتزويد البلد بالعملة الأجنبية، والتي تعطي للاقتصاد دفعة حيوية وحاسمة.
مع ذلك، كانت جمعية المصريين العاملين في الخارج التي تسيطر عليها الحكومة سريعة جداً إلى التناغم، فأثنت على هذا الكلام وطرحت اقتراحاً بفرض ضريبة من ثلاثة مستويات على المصريين العاملين في الخارج، وقدمتها إلى الرئيس للنظر فيها. ومن المرجح أن تمر تنويعات ما من هذا القانون، رغم الشكوك القوية حول الفوائد الكلية لهذه الضريبة. وقد حفز ذلك المغتربين على الرد، في المداخلات المتلفزة وفي وسائل الإعلام الاجتماعية والتقليدية، وقالوا إنه بالإضافة إلى مساهمتهم المهمة مسبقاً في الاقتصاد، فإنهم ما كانوا ليعملوا على بعد آلاف الأميال من أسرهم لو أنهم كانوا قد وجدوا فرص عمل مناسبة بالقرب من منازلهم. ومن خلال إقامتهم في الخارج، كما أوضحوا، فإنهم يوفرون على الحكومة رواتبهم ونفقات الخدمات الاجتماعية؛ وسيكون بعيداً عن العدالة إلى أقصى حد أن يُجبروا على دفع ضرائب دخل على مال مكتسب في الخارج إذا كانوا لا يتلقون أي نوع من الخدمات من الدولة، بما أن نفقاتهم المحلية تخضع مسبقاً لمختلف الضرائب الاستهلاكية.
وهكذا، لا يعد المرشح السيسي بأي نوع من التحسن في الأوضاع المعيشية للمصريين في أي وقت قريب (لمدة "جيل أو اثنين" على الأقل، كما يقول). فهل هذه واقعية قاتمة، أم أنها عدم رغبة في إجراء إصلاحات صعبة؟
حسب جميع الاحتمالات، يتعلق الأمر بالتصور الثاني. إن تحالفه مع مصالح الشركات والأعمال الكبرى من عهد مبارك، والتي تعهدت مسبقاً بتقديم دعمهما له، ينطوي على ضرورة استعادة مصالحها الخاصة في السياسة العامة. ولعل أوضح مثال على ذلك هو تردد الحكومة في إصلاح قانون المعونات الصناعية. سوف يكون لخفض هذه المعونات تأثير ضئيل نسبياً على المواطن العادي، وسوف تقطع شوطاً طويلاً نحو إصلاح المالية العامة -ومع ذلك يستمر المسؤولون في تركيز الاهتمام على الحاجة إلى خفض الدعم المقدم للاستهلاك الشخصي. كما يظهر السيسي القليل من الاهتمام أيضاً بإجراء الإصلاحات القضائية التي تمس الحاجة إليها، ربما لأن معظم أعضاء الطبقة الثالثة متحالفون معه تماماً. ولأسباب مماثلة، يتوقع عدد قليل من المصريين منه أن يحاول إعادة هيكلة وزارة الداخلية بالغة الأهمية.
إن خطة السيسي الاقتصادية، التي تكشف بكل وضوح عن عدم قدرتها -أو عدم استعدادها لتقديم حلول محددة تتجاوز مجرد التوقعات القاتمة التي تشكل تهديداً، يمكن تلخيصها في الأساس باعتبارها تحذيراً للمصريين حتى يستعدوا لمواجهة أوقات عصيبة قادمة. ولعل من المدهش أن يبدو مرشح لخوض انتخابات في بلد يعاني من أزمة مستعداً لتقديم الوعود بما لا يزيد كثيراً على ظلام في نهاية النفق.
يبدو أن الضابط الكبير صاحب الرتبة الرفيعة ينطوي على القليل من الفهم لاحتياجات الشعب ومواطن آلامه. والأكثر أهمية أنه يبدو على غير وعي بحقيقة أن المدنيين لا يأخذون الأوامر بالمسير بالطريقة التي تأخذها بها القوات العسكرية. ويشير صمم لهجته إلى أنه سوف يُظهر القليل من الميل إلى التخفيف من سياساته القاسية.
عندئذ يكون السؤال المطروح هو: هل ستسمح شعبية السيسي له بشق طريقه من خلال انتهاج سياسات اقتصادية قاسية؟ قد يجادل المرء بأن الأجواء الحالية التي يسودها التملق الذي ينهال على الرجل يمكن أن تعطيه رأس المال السياسي اللازم لتمرير الإصلاحات الصعبة. ولكن هذا الافتراض يستثني اثنين من العناصر المهمة.
أولاً، رغم أن السيسي يسيطر تماماً على الخطاب العام، فإن مدى شعبيته مبالغ فيه إلى حد كبير. إن جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من معارضيه السياسيين الأكثر وضوحاً سوف يرفضون سياساته من البداية وأولاً بأول؛ وبالمثل، فإنه ليس لدى المعارضة العلمانية والجماهير غير المسيسة أي  حافز لفعل ما يؤمرون به أو ما يُتوقع منهم القيام به، خاصة إذا لم تجلب لهم السياسات على المدى القصير أي غوث أو سلوى.
ثانياً، سوف تنحسر شعبية السيسي الحالية بسرعة إذا لم ير أفراد الشعب المصري الذين تحملوا عبء ثلاث سنوات من العناء والمشقة غير العادية تحسناً فورياً في نوعية حياتهم. وقد تعززت التوقعات بحدوث ارتفاع وشيك في مستويات المعيشة، وبما ينطوي على ما يكفي من المفارقة، من خلال خطب السيسي الكبرى الخاصة من نوع أن "مصر سوف تكون مهمة مثلها مثل العالم".
في واقع الأمر، يستطيع المرء أن يتصور بسهولة أن التحديات الاقتصادية في مصر سوف تقدم للسيسي أول درس صعب يتعلمه في السياسة المدنية: في دولة تستند فيها السياسة إلى عبادة الشخصية، سوف يقوم الناس بتحليل كل كلمة من كلماتك، وسيقرأون ما بين السطور في بعض الأحيان، و-من يدري!- ربما يصل الأمر بهم إلى تحميلك المسؤولية.

*هو مدون مصر في "Transitions"، وهي مجموعة تدوين تابعة لقناة مختبر الديمقراطية في إطار التعاون بين "فورين بوليسي" و"معهد ليغاتوم". وهو أيضاً زميل غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع لمجلس الأطلسي.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان:
Does General Sisi Have a Plan for Egypt's Economy?

 

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق