حرص الوالدين الزائد: حصار لين يؤثر على شخصية الأبناء

تم نشره في الأربعاء 30 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً
  • تعبيرية

منى أبو صبح

عمان- "لا تلعب مع هذا الطفل، لا تخرج إلا بصحبة أخيك الكبير، لا تصاحب الغرباء، انتبه لا تركض فقد تصاب بأذى، ادرس كذا، البس هذا، تعلم الموسيقى فهي جميلة"، عبارات حاصرت الشاب علي رشيد منذ الطفولة، فرغم بلوغه الاثنين والعشرين عاما، إلا أنه ما يزال يشعر أنه في العاشرة من عمره من طريقة تعامل والديه معه.
رشيد الذي يقر بأن هذا نابع من حرص والديه، إلا أنه يؤكد أن تلك العبارات باتت تمنعه من التفكير والتجربة والاختيار أو حتى تمييز الصحيح من الخطأ، موضحا أن هذه التحذيرات المتكررة زرعت في نفسه الخوف، كما أشعرته بضعف والديه، وعدم قدرتهما على مواجهة الصعاب.
وكذلك هو الحال لدى جيهان صالح (25 عاما) التي تذهب إلى أن "حرص الأهل الزائد قاتل"، موضحة "بهذا الحرص يعتقد الآباء أن خوفهم وتشديدهم على أبنائهم سيوفر الحماية المطلوبة لهم، كما قام بتوفيرها آباؤهم قبل نصف قرن من الآن، متجاهلين حقيقة أن الأمس يختلف كليا عن اليوم".
وتؤكد جيهان تسلط والديها الزائد وتشددهما بالأفكار، مضيفة "فأنا وأشقائي شخصياتنا باتت قلقة ومتوترة، لا تملك القدرة على مواجهة أبسط أمور الحياة".
ولا تتذكر جيهان أنها اتخذت يوما قرارا سواء كان كبيرا أم صغيرا، وتقول "ففي المدرسة لم أشارك بأي فعالية ولم أذهب لأي رحلة كباقي زميلاتي، كما أن الفرع الدراسي الذي التحقت به لم أحدده أنا، وكذلك التخصص الجامعي، حتى عملي الحالي هو نتاج معارف والدها".
غالب السيد (28 عاما) أكثر ما يحبطه هو كلام والده الجارح عندما يراه، وكذلك صراخ والدته عليه وتعاملها معه، وكأنه طفل صغير، مما يجعله يبحث عن متنفس خارج المنزل.
وحال السيد ينطبق على حال الطالبة الجامعية فدوى عامر (22 عاما)؛ إذ تقول "والداي لم يمنحاني أي ثقة، لحرصهما الشديد علي، بحكم أنني أكبر أفراد العائلة، حتى ملابسي فكانت أمي هي من تختارها لي، رغم احتجاجي الصامت بلغة الدموع التي لم تلقِ لها بالا، ليقينها بأني ما زلت صغيرة ولا أعرف طريق الصواب".
وتشير إلى أن والديها سلبا الكثير من ثقتها، ولكنهما حملاها مسؤولية الفتاة الكبرى والأم الثانية بتناقض شديد، وأن تدخلهما في الأمور الصغيرة التي تحبها كل فتاة من ملبس ومأكل وطريقة الحديث ما يزال تأثيرها السلبي يسيطر عليها، مؤكدة أنها غير قادرة على اتخاذ أي قرار أو مواجهة أي مشكلة قد تمر بها.
تعامل الآباء مع أبنائهم على أسس الثقة بالنفس، وبخاصة في وجود العولمة التي تشدهم نحوها بآفاقها الواسعة، في رأي الاختصاصي النفسي د.خليل أبوزناد، هي أهم خطوة يجب أن يتعبها الآباء عند تربية الأبناء، مؤكدا أن الآباء يسعون جاهدين إلى فكرة استنساخ الأبناء بشخصياتهم في الوقت الذي يختلف فيه الأبناء بميولهم وسلوكهم وتفكيرهم، فكل زمان ومكان له معطياته الخاصة به.
ويحث أبوزناد على الابتعاد عن الصرامة والقسوة عند الحديث عن سلوكيات الأبناء الخاطئة وانجرافهم نحو ما يسمونها بموضات العصر، مؤكدا أنه يجب التعامل مع تلك النزوات بتدخل إيجابي.
والتدخل من قبل الآباء يجب أن يكون نفسيا، وفق أبوزناد، وذلك من خلال تعزيز الثقة بالنفس والتصرف مع تلك السلوكيات على أنها مرحلة محددة بفترة زمنية طالت أم قصرت، كما أنه يجب على الآباء أن لا تكون نظرتهم لسلوكيات أبنائهم بأنها خارجة عن القيم المجتمعية.
الأربعيني أبو إيهاب الأب لثلاثة أبناء، يقول "عندما كان أبنائي صغارا لم أشعر بالتعب في تربيتهم، ولكن عند وصولهم إلى سن المراهقة، ألاحظ عليهم بعض التصرفات الغريبة، وهذا ما حدث مع أحد أبنائي الذي ما إن وصل إلى سن 16 عاماً، حتى بدأ يخرج كثيرا من المنزل، بل وإن عاد أخذ يجلس أمام "الإنترنت" لفترات طويلة، ولم يقف الأمر عند ذلك بل شعرت أن حبل الترابط بيني وبينه أصبح ضعيفا".
ويردف "بعد أن لاحظت هذه التغيرات، بدأت بمراقبته وتشديد الخناق عليه، من خلال إعطائه أوقاتا محددة للخروج من المنزل، وتهديده بأنه في حال تأخر، سأقوم بقطع الاتصال بشبكة "الإنترنت"".
ويبرر أبوإيهاب هذا التصرف بقوله "نسمع ونشاهد العديد من الانحرافات للشباب هذه الأيام، وكل أب له الحق بالخوف على أبنائه، وأرى أنه من الضروري أن يلجأ الآباء إلى سياسة الترهيب والترغيب حتى يصبح الأبناء تحت طاعتهم، أما تركهم بدون أي مراقبة فيوقعهم في بعض المشاكل الخطيرة".
التربوية د.خولة حسنين، تؤكد أنّ الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تحتضن الابن، وتضع اللبنات الأساسية الأولى في شخصيته، ومنها يتعلم السلوكيات والمهارات الحياتية، ويكتسب القيم والاتجاهات المناسبة.
ومعاملة الأبناء، في رأي حسنين، فن يستعصي على الكثير من الآباء والأمهات؛ إذ تشير إلى أن الكثير من الأهالي يتساءلون عن أفضل الطرق للتعامل مع الأبناء، منوهة إلى أن بعضهم يتعامل مع الأبناء بحرص شديد؛ بحجة حبهم لهم وخوفهم عليهم، فهم يظنون أنهم بهذا الحرص يوفرون لأبنائهم الحماية المطلوبة من المخاطر المختلفة التي قد يتعرضون لها في المجتمع وممن يختلطون بهم.
وتضيف "للأسف يكون حب الوالدين وحرصهما الشديد أثر مدمر على شخصية الأبناء، فالحرص الزائد يؤدي إلى أن تكون شخصية الابن غير سوية وسلبية ومهزوزة، كما قد يتصف الابن بالخوف والخجل، ويفقد الثقة بالنفس ولا يكون قادراً على تحمل المسؤولية، كما يؤدي إلى عجزه عن تحقيق طموحاته".
وعلى الوالدين تجنب كل ما من شأنه إحراج الأبناء أو جرح مشاعرهم، كما تقول حسنين، حتى لا تتكون لديهم ردود فعل سلبية، وأن يمنحوهم الثقة التي تشعرهم بأهميتهم وتعزز إيجابياتهم وتساعدهم في التغلب على سلبياتهم.
وتدعو كذلك الآباء إلى منح أبنائهم حرية التعبير عن الرأي منذ الصغر، واحترام آرائهم، مع التوجيه والإرشاد في مراحلهم العمرية كافة، لأن لكل مرحلة عمرية أساليب تربوية مناسبة.

muna.abusubeh@alghad.jo

munaabusubeh@

التعليق