البنية الأساسية كفئة فريدة من نوعها

تم نشره في السبت 3 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 11 أيار / مايو 2014. 08:31 مـساءً

جوستين يي فو لين ؛ كيفين لو*

بكين ــ بعد عدة أشهر من المؤشرات الاقتصادية المحبطة، كشف مجلس الدولة الصيني النقاب عن حزمة "تحفيز مصغرة" تركز على بناء الإسكان الاجتماعي وتوسيع شبكات السكك الحديدية. وجاء هذا القرار بعد شهر من إعلان رئيس مجلس الدولة لي كه تشيانج بأن الصين قد حددت هدف النمو السنوي بنحو 7.5  % ــ وهو نفس هدف العام الماضي. والمغزى هنا واضح: ففي حين يظل النمو القائم على الاستهلاك هدفاً طويل الأجل للصين، فإن البنية الأساسية سوف تستمر ــ على الأقل في الأمد القريب ــ في العمل كمحرك رئيسي للاقتصاد الصيني.
لا شك أن اقتصاد الصين ليس الوحيد الذي يعتمد على الاستثمار في البنية الأساسية لدعم النمو الاقتصادي. فوفقاً لتقديرات البنك الدولي، شكلت الاستثمارات في البنية الأساسية ما يقرب من نصف التسارع في النمو الاقتصادي في بلدان جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا في الفترة 2001-2005.
ويشير البنك إلى أن الزيادة بنسبة 10 % في استثمارات البنية الأساسية ترتبط بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1 %. وتعمل مثل هذه الاستثمارات أيضاً على خلق فرص العمل، سواء في الأمد القريب من خلال خلق الطلب على المواد والعمالة، أو في الأمد البعيد بزيادة الطلب على الخدمات المرتبطة بها. على سبيل المثال، كل مائة مليون دولار تستثمر في صيانة الطرق في المناطق الريفية تترجم إلى ما يقدر بنحو 25 ألف إلى 50 ألف فرصة عمل.
ولكن هذه الفوائد ضعيفة في الصين، وذلك نظراً لاعتمادها المفرط على التمويل العام. والواقع أن أقل من 0.03 % من استثمارات البنية الأساسية الصينية في الأعوام الأخيرة ــ والتي بلغت نحو 9 % من الناتج المحلي الإجمالي ــ كانت مستمدة من رأس المال الخاص.
ولا تقتصر هذه المشكلة على الصين؛ فمن نحو 7.2 % من الناتج المحلي الإجمالي تنفقها البلدان الآسيوية في المتوسط على تطوير البنية الأساسية، لا يمول القطاع الخاص سوى 0.2 %. وعلى النقيض من ذلك، يمول رأس المال الخاص 1.9 % من الاستثمار في البنية الأساسية في أميركا اللاتينية و1.6 % في منطقة الكاريبي.
وقد أنتجت المناقشات داخل مجموعة العشرين تفسيرين محتملين لعدم قدرة البلدان الآسيوية على اجتذاب المزيد من رأس المال الخاص لتمويل مشاريع البنية الأساسية. فأغلب البلدان النامية تزعم أن جذور المشكلة ترجع إلى توفير رأس المال، حيث يفضل المستثمرون شغل محافظهم في مجال البنية الأساسية بمشاريع منخفضة المخاطر، وتواجه شركات التأمين والبنوك قواعد تنظيمية مفرطة التقييد. وترد بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مثل ألمانيا بأن المشكلة تكمن في الافتقار إلى الأصول ذات الجدارة الاستثمارية؛ فلا يوجد ببساطة القدر الكافي من المشاريع المتاحة القابلة للتمويل.
والواقع أن كلا التفسيرين صحيح ــ ولكنهما غير مكتملين. وقد حان الوقت لكي يدرك زعماء آسيا أن الافتقار إلى التمويل الخاص لمشاريع البنية الأساسية من غير الممكن أن يُعزى إلى مشكلة أو اثنتين، وأن يعملوا على إيجاد حلول شاملة تغطي كامل نطاق التحدي.
ويتطلب هذا في المقام الأول التخلي عن الرأي القائل بأن أصول البنية الأساسية تنسجم مع نموذج فئات الأصول التقليدية مثل الأسهم أو الديون أو العقارات. ولابد من إعادة تعريف البنية الأساسية باعتبارها فئة جديدة من الأصول تستند إلى اعتبارات عديدة.
فبادئ ذي بدء، هناك عنصر المنفعة العامة في العديد من مشاريع البنية الأساسية، التي تتطلب التزامات حكومية مشروطة مثل مستويات التغطية الشاملة للخدمات الأساسية. ومن أجل جعل مثل هذه المشاريع أكثر جاذبية في أعين المستثمرين من القطاع الخاص، فلابد من استيعاب العوامل الاقتصادية الخارجية، وبلاد من إيجاد ارتباط بين معدل العائد الداخلي، الذي يشكل أهمية بالنسبة للمستثمر التجاري، ومعدل العائد الاقتصادي الذي يمثل أهمية بالنسبة للمجتمع.
وسوف تكون هناك حاجة فضلاً عن ذلك إلى آليات مبتكرة لتوفير أصول جديدة للمستثمرين ــ ويتطلب هذا وجود الإبداع الذي تؤسس له السوق وتسعره. ولتحقيق هذه الغاية فلابد أن يحصل رعاة القطاع الخاص على الحيز اللازم لإنشاء مشاريع قيمة.
وسوف تحتاج هذه الفئة الجديدة من الأصول إلى تحليل خاص للمخاطر والعوائد يضع في الحسبان على سبيل المثال المخاطر السياسية التي قد تنطوي عليها مشاركة القطاع العام والحد الأدنى من عائدات الاستثمار نسبة إلى الأسهم الخاصة التقليدية. وسوف تتغير المخاطر المرتبطة بفئة الأصول الجديدة فضلاً عن ذلك مع تقدم المشاريع من دراسة الجدوى إلى البناء ثم التشغيل، وهذا يعني ضمناً أن كل مرحلة سوف تجتذب مصادر مختلفة للتمويل. ولا شك أن الفهم الواضح لهذه العملية من شأنه أن يمكن المستثمرين المحتملين من تقييم المشاريع بقدر أكبر من الفعالية، وهو أمر بالغ الأهمية لتشجيعهم على طرح أموالهم.
ويتمثل اعتبار مهم آخر في الخبرات الفنية الكبيرة التي تحتاج إليها مشاريع البنية الأساسية، وهو ما يجعلها أكثر تعقيداً من أغلب الأصول. وعلى نحو مماثل، يحتاج الأمر إلى شبكات متخصصة من الجهات الفاعلة لضمان كفاية وساطة المعاملات في مجال البنية الأساسية وجدواها من حيث التكاليف، بدلاً من المعاملات المجزأة البطيئة كما هي حالها الآن.
وبالنسبة للبلدان التي تفتقر إلى وضع مالي قوي كالذي تتمتع به الصين، فإن الحاجة إلى اجتذاب رأس المال الخاص للاستثمار في القطاع الخاص تصبح واضحة. ومع افتقار ما يقرب من 70 % من سكان بلدان جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا إلى الوصول إلى الكهرباء وافتقار نحو 65 % من سكان جنوب آسيا إلى الوصول إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية، فلن نجد ضرورة أعظم من التخطيط لأصول البنية الأساسية وتمويلها وبنائها وصيانتها.
بيد أن الاستثمار الخاص في البنية الأساسية يظل يمثل أهمية بالغة حتى في بلدان مثل الصين، لأنه يجلب قوة وديناميكية السوق، والذي يعمل على تحسين عملية تخصيص رأس المال وتعزيز الشفافية. والواقع أن زيادة مشاركة القطاع الخاص كفيلة بجعل احتمالات حدوث ذلك النوع من الفضائح التي وقعت في قطاع السكك الحديدية في الصين أقل ترجيحا.
باختصار، تشكل إعادة تعريف البنية الأساسية بوصفها فئة جديدة من الأصول السبيل الوحيد الجدير بالثقة لاجتذاب التمويل لمشاريع البنية الأساسية، وبالتالي تعزيز النمو الاقتصادي الطويل الأجل ومعدلات تشغيل العمالة. وقد حان الوقت لكي يضاعف زعماء آسيا جهودهم في هذا السياق.

*جوستين يي فو لين كبير خبراء الاقتصاد الأسبق وكبير نواب رئيس البنك الدولي سابقا، كيفين لو زميل متميز لدى مبادرة حقوق الملكية الخاصة في INSEAD.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكت.

التعليق