نظرة واقعية في الشرق الأوسط

تم نشره في الجمعة 9 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً
  • شباب فلسطينيون يحاولون الوقوف في وجه جرافات الاحتلال التي تقتلع زيتونهم - (أرشيفية)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

إيمانويل أوتولينغي - (ستاند بوينت) /5/2014

تعثرت أحدث محاولة يبذلها الرئيس أوباما لخطب ود إسرائيل والسلطة الفلسطينية من أجل التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي. وعلى نحو متوقع، بدأت الآن لعبة توجيه اللوم. وبإضافة تعديل جديد للنسخة المألوفة من فشلها في الدبلوماسية المتعلقة بالشرق الأوسط، اختارت الإدارة الأميركية هذه المرة الانضمام إلى ردة الفعل الغريزية لحلفائها الغربيين، مشيرة بإصبع اللوم إلى القدس، بينما وجهت إسرائيل اللوم علانية إلى وزير الخارجية الأميركية جون كيري.
مما لا شك فيه أن لكل محاولة خصائصها الخاصة -ذلك الخليط الاعتيادي من التوقيت السيئ، وصدام الشخصيات، والتوازنات الخارجية التي تجعل من كل جولة فاشلة من صنع السلام مادة للمحاضرات والمقالات وكتابة المذكرات وتبادل الاتهامات.
مع ذلك، فإنها تظل كلها تشترك في الكثير من القواسم المشتركة. لأنه بمجرد قيام المرء باستبدال الأسماء أو التواريخ -المبعوث الأميركي الخاص مارتن إنديك بدلاً من جورج ميتشيل، والعام 2008 في محل العام 2014- فإن الديناميات والعثرات والمحصلات السلبية الممكن التنبؤ بها تظل هي نفسها.
يجب على الدبلوماسيين الغربيين الذين يبدون أكثر حرصاً من أي شخص آخر منخرط -بمن في ذلك الفلسطينيون والإسرائيليون- وضع حد لهذا الصراع، ويجب عليهم أن يطرحوا السؤال عن السبب. السبب في أن السلام يظل مراوغاً؟
بعد كل شيء، إنهم أولئك الدبلوماسيون أنفسهم الذين ما يزالون يصرون لأكثر من 20 عاماً على أن ملامح صفقة السلام معروفة للجميع، وعلى أن الجانبين يصلان دائماً إلى نقطة يكونان فيها "أقرب إلى التوصل إلى صفقة من أي وقت مضى"، كما قال جون كيري متفائلاً في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، مردداً أصداء تصريح إيهود أولمرت (رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق) في تموز (يوليو) من العام 2008.
يا للمهزلة. إننا نكون دائماً قريبين جداً، لكننا لا نصل إلى هناك أبداً. وذلك جزء من المشكلة.
بعد عشرين عاماً من محاولة إيجاد النقطة الكاملة للتوازن في الخوارزمية المناطقية ومتاهة الهوية والادعاءات الدينية والمادية، يجب أن يكون واضحاً أن الصيغة الخاصة بعملية السلام تنطوي على المكونات الخاطئة. وسوف يفهم العلماء على الفور أن تكرار التجربة نفسها مرة تلو الأخرى من دون تغيير عناصرها أو كمياتها سيفضي دائماً إلى النتيجة نفسها.
لكن يبدو أن الدبلوماسيين فاتت عليهم هذه النقطة. ومن السهل، كما تجدر الإشارة، الانحاء باللائمة على "المتطرفين في كلا الجانبين" أو مجموعات الضغط الجبانة الكامنة في الظلال: أشرار القومية، أو مخاطر الائتلاف العنيد؛ ظلال الماضي أو رواية المنتصر. وفي كل مرة يقف شيء ما في الطريق الذي من الممكن تغيير تأثيره القبيح أو تخفيفه إذا تم فقط تبديل هذا الشخص أو ذاك.
يولع الأوروبيون بلوم الانحياز الأميركي المفترض لإسرائيل، متناسين، وفق مصالحهم، أن صداقتهم الفاترة ومعتدلة الجو مع إسرائيل لا تستطيع أبداً الحلول محل الضمانات الأمنية الأميركية. ويحب المعلق الليبرالي أن يذهب وراء الصقور الإسرائيليين حيث يمنحهم فرصة للتنفيس عن شعورهم الباطني المعادي للسامية عبر إعادة تسمية غرض كراهيتهم بمصطلحات مهدئة ومسكنة، مثل "اللوبي الإسرائيلي" و"المحافظون الجدد" و"المستوطنون" بينما يتم الاستخفاف بالإرهاب والراديكالية الإسلامية والديناميات الداخلية في العالم العربي.
تستطيع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) غسل أيديها من الالتزام بأنها تمثل قصة معقدة على نحو نزيه عبر تبني المصطلح المحيذ أخلاقياً "التفرج" حيث يكمن الخطأ عند "المتطرفين في كلا الجانبين" وغيره من الفئات "قم بإلقاء اللوم على كلا الجانبين" المخترعة، والتي تعيش فقط في المرادف الأخلاقي لعالم غرفة الأخبار الليبرالية.
من جهة أخرى، لا يبدو أن أي أحد قد فهم الشيء الواضح، لأنه غير قابل للهضم وغير ملائم، خاصة بالنسبة لأولئك الذين أمضوا وقتاً من عمرهم وهم يؤمنون في سلام الشرق الأوسط كغاية في حد ذاته، وكترياق لمشاكل أخرى. لن تكون ثمة أي صفقة لأن كلفة صنع السلام تبز بكثير مزاياه عند كلا الجانبين.
بعد كل شيء، لكم أن تتأملوا ما يلي: بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، تظل العثرات هي نفسها على مر الأعوام. ومن غير المرجح تغير المطلب الفلسطيني بمنح اللاجئين حق العودة، ولا المطلب الإسرائيلي الداعي لاعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية، وكذلك مطالبهما الحصرية الثنائية الخاصة بالسيادة على القدس، لأنه إذا تم التنازل عن هذه الأشياء، فإنها ستلحق ضرراً بالمكونات الجوهرية للهوية القومية لكل من طرفي الصراع، والذي لا يمكن تقويمه.
إلى ذلك، من غير المرجح أن تتنازل إسرائيل عن العمق الاستراتيجي الذي توفره لها السيطرة المناطقية على وادي الأردن، والذي توفره الضفة الغربية في مقابل ضمانات دولية غامضة. وبالإضافة إلى ذلك، لا تستطيع النزعة القومية الفلسطينية أن تترك خلفها، على الأقل فكرياً، ملايين أحفاد اللاجئين الذين هربوا من حرب العام 1948، لكن من المشكوك فيه أن يكون من الممكن استيعابهم فيزيائياً في منطقة صغيرة مثل الضفة الغربية وغزة، ومالياً في اقتصاد بضآلة الاقتصاد الفلسطيني. ورغم أن أعداء إسرائيل يحبون الوصول إلى هذه المحصلة، فإنه من غير المرجح أن تقدم إسرائيل على انتحار قومي.
وكأن هذا الوضع ليس كافياً، فإن الإخفاقات السابقة والتطورات الإقليمية تفاقم المشكلة. لماذا يجب على كل جانب أن يولي الثقة لشريكه التفاوضي عندما تكون المحاولة السابقة قد انهارت؟ ما الذي تغير حتى تكون الأمور أفضل؟
هل الفلسطينيون أقل تصميماً على إعادة توطين اللاجئين؟ هل تنازلوا عن نزع الشرعية عن إسرائيل؟ هل انكمشت المستوطنات من حيث الحجم والديموغرافية؟ هل ثمة سكان يعودون إلى حدود إسرائيل ما قبل العام 1967؟ وكيف يكون باستطاعة إسرائيل التفاوض على صفقة نهائية مع السلطة الفلسطينية بينما تظل غزة تحت حكم حماس؟ ولماذا يجب على إسرائيل "أخذ المخاطر من أجل السلام" في وقت تضطرم فيه المنطقة بالفوضى؟ ومن يستطيع الاعتقاد بأن حكومة فلسطينية توقع على صفقة سلام ستعمر مدة كافية لجعل هذه الصفقة تتماسك وترسخ في ضوء اهتزاز العالم العربي راهناً على وقع الانبعاث الإسلامي؟
إن الصراع العربي الإسرائيلي عصي على الحل. هكذا كان حاله دائماً، وهكذا سيظل في المستقبل المنظور. ولن تجلب محاولة ما أثبت فشله في السابق سوى المزيد من الفشل.
لقد حان الوقت لأن يدرك الغرب أن الخلافات بين الجانبين لا يمكن إصلاحها -وكلما كان هذا أسرع، كان أفضل.



*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Realism in the Middle East

التعليق