في النقد الذاتي للحركات الإسلامية (4-3): رؤية د. عبدالله النفيسي

تم نشره في الجمعة 9 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة*

عد د. عبد الله النفيسي من الشخصيات البارزة والمؤثرة والمشاركة في التيار الإسلامي، تقلّب بين الحركات الإسلامية واحتك بها كما يقول "عن كثب وليس عن كتب". وقد أصدر عدة كتب في النقد الذاتي للحركات الإسلامية، منها كتاب "الحركات الإسلامية رؤية مستقبلية: أوراق في النقد الذاتي"، والذي صدر منه جزءان. وهو عبارة عن أوراق متعددة لقيادات إسلامية في النقد الذاتي للحركات الإسلامية. وأيضا كتاب "الحركة الإسلامية: ثغرات في الطريق".
تميز طرح النفيسي بكونه جريئا وصريحا وعلميا. سبب ذلك خلفيته الأكاديمية في العلوم السياسية من جهة، وتنقله بين الجامعات العالمية؛ إذ كان أستاذا زائراً في بكين (1973)، وموسكو (1976)، والولايات المتحدة (1978)، وأيضا دراسته المراحل الأساسية في كلية فيكتوريا بالقاهرة (1951-1961) من جهة أخرى.
في هذه المقال، أستعرض بعض الخطوط العريضة من النقد الذاتي للنفيسي لواقع الحركات الإسلامية، من خلال كتابه "الحركة الإسلامية: ثغرات في الطريق"، والذي صدرت طبعته الأولى العام 1986، وأعيدت طباعته مؤخراً من مكتبة آفاق في الكويت.
الحقيقة أن الكتاب من أمتع الكتب في النقد الذاتي للحركات الإسلامية، ولعله من أغزرها. وهو في الأصل مقالات أسبوعية، ربما يتضمن كل مقال منها فكرة نقدية لافتة وجديرة بالتأمل والتفكر، ما يجعل من الصعب استيعاب كل رؤية النفيسي في هذه المساحة المحدودة.
في البداية، فإن نقد النفيسي هو نقد المحب للحركة الإسلامية. يكفي التأمل في إهدائه الكتاب حيث جاء: "إهداء إلى الذين نحبهم ولكن نختلف معهم". ولذلك، هو يؤكد أنه "لا يعني ما نذكره عن ثغرات في عمل الحركة الإسلامية أننا ننفي عنها الإيجابيات والمنجزات". ويقول: "وانتقادنا للحركة الإسلامية لا ينبغي أن يُفهم منه أننا نعاديها، بل ربما يعني أننا أكثر حرصاً عليها وقلقا على مصيرها من الذين "يعضون بالنواجذ" على أزمة قيادتها بأسلوب "سلم نفسك أولا واهمس برأيك ثانيا". لكنه يعني "أن النقد الذاتي عملية جديدة على "التنظيم الإسلامي" المعاصر، ولذلك تثير من ردود الأفعال في الساحة الإسلامية ما قد لا تثيره في غيرها من الساحات". ويرد على من يحذر من خطر نشر الأسرار فيقول: "ذلك قول ساذج إزاء الثورة في نظام المعرفة والمعلومات في عصرنا الحديث".
رؤية النفيسي النقدية تعم غالب الحركات الإسلامية، والتي يدور أغلبها في فلك جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه في الوقت نفسه ينطبق بشكل كبير وصحيح على كثير من المؤسسات والجماعات السلفية والمستقلة. ومن هنا تتضاعف قيمة الكتاب ورؤيته النقدية.
في مقدمة الكتاب القصيرة والمكثفة، لخص النفيسي أهم محاور رؤيته النقدية التي شرحتها مقالات الكتاب، فقال: "ألا تلاحظ أيها القارئ أن التيار الإسلامي "الجماعة والأحزاب والتنظيمات والمؤسسات" ينمو بشكل متسارع، ولا نبالغ إذا قلنا بشكل "ورمي"؟ يلاحظ كذلك أن هذا التيار يعيش مشكلة كبيرة على صعيد المفاهيم، والتنظيم، والاتصال، والتعاون البيني، والمعرفة، والجمهور المخاطب، والموارد البشرية، والمنافسة".
"ألا تلاحظ أن "التنظيم الإسلامي" يقوم أساساً على السيطرة وليس على المشاورة، وأن أهم عقبة تعيق "الحركة الإسلامية" هي طريقة تربية "حزبية" وليس تربية "اجتماعية"، بمعنى أن مخرجاتها تضخ عنصراً حزبياً يقيس محيطه على مسطرة "المقدس والمدنس" فالحزب مقدس، وأما المجتمع الأوسع فمدنس؟ وأن هذه المسطرة تعيق فهم المجتمع الأوسع لاستهدافات التنظيم الإسلامي؟ أليس كذلك؟ ثم، لماذا ينادي التنظيم الإسلامي بالحريات السياسية في المجتمع الأوسع ولماذا يحاربها داخل التنظيم؟ ما هو الموقف الفعلي للتنظيم الإسلامي من مفهوم "الحرية"؟ ثم، لماذا تغيب المؤسسات العدلية داخل التنظيم الإسلامي، مع أنه يؤكد أهمية وجودها في المجتمع الأوسع وعلى صعيد الدولة؟ ولماذا صار من السهل استدراج الحركة إلى "حروب الوكالة"، بحيث تقوم الحركة نيابة عن "النظام" بمحاربة فصيل سياسي شعبي آخر لصالح النظام؟ ثم، لماذا نلاحظ أن "نجوم المال" باتوا يقررون للحركة الإسلامية كثيرا من خياراتها السياسية، في عدة أقطار إسلامية؟ ألا تعرف الحركة الإسلامية أهدافها المفترضة؟".
انتهت المقدمة المكثفة، وأعتقد أن هذه الأسئلة التي طرحت قبل 30 سنة ما تزال قائمة إلى اليوم قائمة. وهذا يوضح لنا لماذا تتوسع وتتمدد الحركة الإسلامية أفقيا في المجتمع، لكنها ما تزال تخسر على المستوى الرأسي كما حصل في تجربة الرئيس محمد مرسي.
بقية الكتاب هو شرح وتفصيل لهذه المقدمة المكثفة. وهذه مقتطفات مهمة من ثنايا الكتاب، لعلها تساهم في إنضاج الحوارات الداخلية للحركات الإسلامية، بما ينعكس إيجابيا على المجتمعات الإسلامية، لأن الحركات الإسلامية هي أقوى الحركات في مجتمعاتنا، وأكثرها أصالة وحرصا على الصالح العام:
- القيادة السياسية للحركة الإسلامية تركز جهودها في محاولة التصدي للأحوال الطارئة، أكثر من التخطيط للمستقبل، مما يقلص التفكير المنهجي بعيد المدى، ويؤدي إلى الغرق في دوامة المهام اليومية.
- بحسب علم الاجتماع، الجمهور لا يتحمس لنصرة تيار إلا إذا فهم غايات ومقاصد التيار، ووجد عنده حلولا لمشاكله. ومن هنا، فإن الاكتفاء برفع شعار "الإسلام هو الحل"، ليس حلا من دون تقديم حلول!
- انسداد قنوات التحاور والنقد الداخليين في الحركات الإسلامية، هو سبب رحيل الكفاءات عنها، لتتلقفهم المؤسسات والأحزاب والحكومات، وعندها برزت مواهبهم ومهاراتهم التي خسرتها الحركات الإسلامية.
- ما يزال البعض يخلط بين التنظيم الإسلامي البشري، وبين الدين الإسلامي الإلهي. وهذا الخلط يسبب تحميل الدين أخطاء البشر، ويجعل للتنظيم عصمة وقداسة غير صحيحة ولا شرعية.
- إن قيادة الحركة الإسلامية بمواصفاتها التاريخية والحالية هي سبب رئيس في إفراز هذه الثغرات وتكريسها وتجذيرها وتكثيفها. والحل هو في الإحلال للدماء الشابة في القيادات، وإلا بقينا نراوح محلنا.
- من الخطأ الفادح اعتبار الحركة الإسلامية أن شعبيتها وجماهيريتها هما تصويت إيجابي على كفاءتها واقتدارها السياسي. وقد تأكد هذا في تجربة حزب العدالة في مصر، وحزب النهضة في تونس. ووجود شعبية وجماهيرية للحركة الإسلامية لا ينقص من ضرورة وجود نظرية/ برنامج تقترحه على الناس، وتسعى إلى حشد دعمهم له.
- المطالبة بتحكيم الشريعة هي محور سعي الحركة الإسلامية، إلا أنها لم تشرح للجماهير حقيقة مقصودها بتطبيق الشريعة، وكيف سينعكس ذلك على أوضاع الناس ومعاملاتهم، وكذلك تأثير هذا على العلاقات الدولية والإقليمية.
لماذا لم ترتبط الدعوة إلى تطبيق الشريعة بمحاربة الفساد والاستبداد، ودعم العدالة الاجتماعية، وهي لب مقاصد الشريعة؟! فلا تكفي الخطب والمطبوعات، بل لا بد من المواقف والوقائع.
هذه بعض الأفكار النقدية التي قدمها د. عبدالله النفيسي في كتابه ومقالاته. وفي ظنى أننا ما نزال نعاني من الآثار السيئة لهذه الأمور، برغم أنها تتكرر منذ أكثر من 30 سنة، ثم نتساءل لماذا لم تتقدم أمتنا بالشكل الكامل والمطلوب!



*كاتب أردني

التعليق