د.أحمد جميل عزم

"ولو أنه ليس بأكمله مرّ"

تم نشره في الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً

رغم أني ذهبت للتحية والتعارف، وتحدثنا قليلا في سرادق الفرح المعدّ لاستقبال زواره بعد عودته من أسر أكثر من ربع قرن؛ إلا أني لم أعرفه وأنا أشاهد صورته على الإنترنت، بعد أسابيع، وهو يلهو بالثلج مع أطفال، حيث تملأ الضحكة وجهه، ويده ترتفع للأعلى بأقصى طاقتها وأقصى امتدادها، كأنّه يَمُدها ليبلغ ما لم يحصل عليه طوال الأسر. ولكني لم أستطع إزاحة النظر عن القلب؛ رأيت هناك زوجته الشهيدة التي شاركته عمليته الفدائية، ورأيت شقيقته التي طلبت من حبيبها عمليةً فدائية مَهراً للزواج.
تخيلت يده كتلك التي كنا نشتري رسمها على ملصق، نضعه على دفاتر المدرسة، من بائع إلى جانب الشارع، مقابل سينما الحسين قرب محل "حبيبة" في عمّان، وتنبع من عروق عضلتها زيتونة، وبين أصابع صاحبها قنبلة.
قالت لي، عبر الهاتف، من حيفا: هل قرأتَ كتاب آلان بابيه عن التطهير العرقي العام 1948؟ قلت: نعم. قالت: عندما دخلت المخيم كأني رأيتُ النكبة ممتدة على صفحتي الكتاب من أقصاها إلى أقصاها؛ وصفحات الكتاب تمتد كثيرا وتتناثر بجانب بعضها. وكانت تتحدث عن مخيم الزعتري، وقد نَظَّمَت حملة للمساعدات أوصلَتها بمساعدة منظمات دولية. وحدثتني عن تاجر دخلوا محله في الأردن، فسألهم عن حيفا ويافا، وحدّثهم عن نفسه، فأعطاهم ألفا ومائتي قطعة ملابس للمخيم مجانا.
كنتُ أجول مع صديقي بليك، السويسري الأميركي، في "بلعين". توليتُ شرح ما رأيناه، وحتى ما لم أكن شاهدته سابقا، وتحديداً النُصب الذي أقيم حديثاً للشهيد البطل باسم أبورحمة (الفيل)، الذي قُتل بقنبلة غاز أطلقت في صدره مباشرة يوم تظاهر ضد "الجدار"؛ فذهب وبقيت صورته الأشهر، وهو الضخم الجثة، يركض كطفل كبير يطيّر طيارة ورقية ملونة. رفاق باسم أتموا "نُصباً" ذكيّاً، استخدموا قنابل الغاز وحولوها إلى لوحة بزرع النباتات فيها عند قبر رمزي، موقع استشهاده، في الشارع المُسمى الآن شارع الحرية، والذي أضاءه ناشطون فلسطينيون بالطاقة الشمسية. قال صديقي، ونحن نجول الأراضي المستعادة التي يزرعها الأهل الآن: "هذا كثير بالنسبة لي".
بينما سهير تتحدث من حيفا، عن صفحة النكبة المفرودة، قفز إلى ذهني ما كتبته الفنانة أناهيد فياض، قبل زمن غير قصير، من عمر المأساة السورية الراهنة. أناهيد تحدثنا عن خشيتها من تحول "الزعتري" إلى مخيم دائم، يريد أهله الحفاظ على "الهوية السورية"، بعد أن تحولت خيام اللاجئين إلى غرف من الطوب، وصار أهالي المناطق المحيطة يتبضّعون منه لأن الخضار والسلع فيه أرخص، وتقام فيه الأعراس كما الجنائز، ويأتي مناضل سوري يصر على الإقامة فيه التصاقاً بشعبه. وعن طفلة تشب في المخيم، وبعد سنوات تطلب بنزق المراهقين من أبيها ترك المخيم، بحثا عن حياة أخرى. وذكّرتنا أناهيد: "أنا فلسطينيةٌ ولدت في مخيم اليرموك بعد 29 سنة من قيامه على أرض دمشق، وبعد عشرين سنة طلبت من أبي أن نغادره، وبعد تسع أخريات أحبه كثيرا، إلّا أنه يثقلني أن يذوق إنسان آخر ما عاشه أهل المخيم ولو أنه ليس بأكمله مرّ".
بعد أيام من زيارة بلعين، مع بليك، وكان يرافقنا صديقان من مخيم عايدة، كنا في الولجة قرب بيت لحم، ولم نكن وصلنا بيت عمر حجاجلة الذي قارع المحتلين طويلا، واضطرهم لردم خندق حفروه حول بيته، واضطرهم لإزالة الجدار الكهربائي، واضطّرهم لأشياء كثيرة، وطردهم مرات أكثر، حتى اضطروا لفتح نفق لا يصل إلا إلى بيته. لم نكن قد وصلناه، عندما لمحناه، بسيارته المتهالكة، ووقف معنا. ولأن الحديث بالعربية، لم يتوقف بليك والأصدقاء الآتون من خلف البحار، بل صاروا ينظرون إلى الأفق الجميل بالشّجر، المشوّه بالاستيطان. وعُمر يشرح الإهمال الطبي، ومعاناته الصحية الخطيرة، وعدم وجود من يُؤمّن العلاج. وصلنا بيت عمر، وهو ليس معنا؛ ذهب في طريقه. وبعد أن شرحتُ لزملاء الرحلة القصة. أخذني بليك جانباً، وخاطبني: "أحمد أنا رجل كبير السن، قلبي لا يحتمل كل هذا الجمال والألم معاً.. هذا كثير".
ربما أقول له يوماً: يا صديقي، يصبح الاستمتاع بالجمال كما لو كان رذيلة، وهو فضيلة، إذ يصبح الشعور بما هو "ليس مُّرّ"، ذنبا نقترفه، أو هكذا نشعره، مع أننا سنستمر في الاستيقاظ والاستحمام وارتداء العطر وتحدي الجنود.


ahmad.azem@alghad.jo

ajazem@

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وقلبك أخضر (بسمة الهندي)

    الخميس 9 كانون الثاني / يناير 2014.
    أستاذ أحمد أقدر جداً تحليلاتك السياسية وأتعلم من عمقها، ولكن أيضاً يأسرني أسلوب الحكواتي في مقالاتك السردية ، مثل مقالك هذا، الذي يفتح لنا نافذه نطل منها على فلسطين، وعلى الفلسطينيين وما تحمله قصصهم من وعي وشجاعة وعزيمة وتضامن وإيثار وصبر وإنسانية وحب وحكمة. هو سأل عن حيفا ويافا وتبرع للاجئين السوريين؛ هي طلبت من حبيبها عملية فدائية مهراً؛ وهو يقاوم الاحتلال بطائرة ورقية ملونة؛ وعلى التليفون يكون الحديث عن كتاب؛ وأنت ما زلت تذكر البوستر اللاصق على دفترك... كم هو جميل الشعب الفلسطيني. سلام عليكم وعلى فلسطين!