يوسف محمد ضمرة

بين سجين وشريد: نماذج لفشل مجالس إدارات

تم نشره في الاثنين 23 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً

عانت بورصة عمان أكثر من سواها من البورصات العربية والعالمية منذ تفجر الأزمة المالية العالمية في العام 2008. لكن سبب ذلك ليس ضخامة التشابك مع الاقتصاد الدولي، أو الاستثمار من قبل شركاتنا في المشتقات المالية؛ وإنما نتيجة تأثيرات وعوامل داخلية أوقعت أذى أكبر بالأسهم.
موطن الضعف يكمن في أجهزة الرقابة، وتحديدا دائرة مراقبة الشركات، وهيئة الأوراق المالية. يضاف إلى ذلك غياب معايير الحوكمة في شركات مساهمة عامة؛ حيث غلبت الأنانية والسعي إلى المكاسب الشخصية، على أسلوب إدارة العديد منها.
البداية تجسدت في الاكتتابات العامة، وآليات عمليات تسجيل الشركات المساهمة؛ إذ تم تضخيم القيمة العينية لتلك الشركات من قبل القائمين عليها. بالإضافة إلى آليات الإدراج المنتهجة في بورصة عمان؛ بقبول إدراج هذه الشركات في البورصة بموافقة هيئة الأوراق المالية، ما أوجد الغث الذي يضر بالسمين في السوق.
اليوم، وبعد مرور خمس سنوات، بقيت سمة مميزة وهي إغلاق المؤشر على تراجع في نهاية كل سنة مالية. لكن، وللمرة الأولى خلال هذه الفترة، يتجه مؤشر البورصة اليوم للإغلاق على ارتفاع، بما يعطي إشارات جيدة. إلا أن الصعود الحالي بأحجام تداول قليلة مقارنة بحجم السوق، يعزى إلى مشتريات عربية في بعض الشركات، وخصوصا الاستراتيجية منها.
ما تحتاجه السوق هو استعادة الثقة بها، بحيث يشعر الجميع أن أموالهم المستثمرة في الشركات في أيد أمينة، تنتهج أفضل الممارسات في مجال الحوكمة؛ فلا يتعامل المؤتمنون على إدارة الشركات بأموال المستثمرين وأصولهم وكأنها ملك مجالس الإدارة، يتصرفون بها كما يشاؤون، حتى إذا ما انكشف بعد أعوام "طابق الغش" وسوء الأمانة، أو أقلها سوء الإدارة، تكون مالطا حينها قد خربت، وأصبحت أثراً بعد عين. عشرات ملايين الدنانير تبخرت جراء مضاربات في البورصة لا أساس منطقي لها؛ بل الهدف منها، كما تبين فيما بعد، هو حماية بعض الأفراد، أو تأجيل غرقهم. لكن الأمور ساءت لاحقا، فتبخرت الأموال، وأصبحت بعض الشركات المساهمة العامة حاليا مفلسة أو على شفير الإفلاس.
أمس، نشرت "الغد" خبرا عن مجلس إدارة شركة تداعى كبار المساهمين فيها لإنقاذها، بعد أن طار رئيس المجلس خارج البلاد شريدا، ملاحقا قضائيا بتهم مختلفة. فيما رئيس مجلس آخر قابع في السجن يواجه كمشة من التهم. ويشكل الاثنان نموذجا لسوء الإدارة الذي غدا نمطا سائدا في حقبة خلت، كان فيها الخير وعوائد السوق الوفيرة يغطيان أي فساد، ويعطران روائحه النتنة. إلا أن الظروف الصعبة كشفت كل الممارسات الخاطئة، فانفجر الموقف، وأصبحت الثقة بالسوق في خبر كان. اليوم، ونحن على أعتاب سنة مالية جديدة، تمثل مرحلة جديدة أيضا بعد أن أنجزت هيئة الأوراق المالية مسألة تقسيم الأسواق، بهدف التمييز بين الشركات بمعيار المخاطر. لكن هذا الهدف لم يتحقق؛ إذ نرى شركات غارقة في المخاطر تواصل التداول في السوق، وتظهر في النشرة اليومية جنبا إلى جنب مع شركات رابحة وجيدة. ولن تكون السوق بخير إلا إن استطعنا تمييز الخبيث من الطيب، والغث من السمين.
المطلوب، باختصار، مزيد من الإصلاحات من قبل الجهات الرقابية، تضمن عدم تكرار أخطاء الماضي. وعلى هيئة الأوراق المالية أن تؤمن أن نجاحها ليس مرتبطا حصريا بصعود مؤشر البورصة كما كان سائدا في الماضي، حين تم التغاضي عن كافة الممارسات السلبية في سبيل المحافظة على زخم السوق. فقد كان نجاحا لفترة مؤقتة، تلاه سقوط مدو، وأشد ضررا على جمهور المستثمرين والمتعاملين. الأمر الذي عانى ويعاني منه الجميع حتى يومنا هذا.

yousef.damr@lghad.jo


التعليق