استمرار تشوهات الإنفاق

تم نشره في السبت 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في السبت 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 08:58 صباحاً

الحديث عن تحسين الاقتصاد وتطوير أدواته، وانعكاس نموه على عيش المواطن البسيط، هو حديث يتحول مع الوقت إلى كلام مكرور غير ذي معنى وفاقد للدلالة؛ طالما أن تفكيكا مدروسا لبنية الإنفاق لدى الفرد والأسرة، ومثلهما المجتمع والدولة، لم يحدث بعد، ويبدو أنه لن يحدث في المدى المنظور.
في الأردن، تبلغ الإيرادات الضريبية وغير الضريبية 5.2 مليار دينار، في مقابل إنفاق حكومي يصل إلى 7.1 مليار دينار. وهذا تشوه كبير، يتم الحديث عنه باعتباره قضاء وقدراً، ليتطور العجز إلى 1.9 مليار دولار، يتم تغطية مليار منه من خلال المنح، كما يجري الاستمرار في مسلسل الاستدانة بالنسبة للمتبقي من هذا العجز.
وفي ظل هذه الإيرادات المتواضعة أمام إنفاق متزايد تقوده الحكومة، تفاجئنا الأرقام بصعود متواصل، بشكل ينطوي على تشوه مستمر وغير مفهوم. فالإنفاق على الرواتب المدنية والعسكرية يبلغ 3 مليارات دينار، يضاف إليها مليار دينار للتقاعد المدني والعسكري. وليستحوذ بند الرواتب والتقاعد هذا وحده على ما يفوق ثلاثة أرباع إيرادات الدولة الضريبية وغير الضريبية. وإذا حللنا ذات البند بتفاصيله وأولويات رواتب القطاعات فيه، لوجدنا تشوها أكبر. إذ إن المعلمين، وكذلك الأطباء، ليسوا على رأس قائمة الرواتب هذه. وتلك قصة يطول شرحها اليوم، رغم أن العاملين في هذين القطاعين كانوا سببا فيما مضى بسمعة استثنائية حظيت بها المملكة في محيطها العربي والإقليمي.
هذا بالنسبة للدولة. أما الأسرة الأردنية وإنفاقها، فإن حالهما لا تختلف كثيرا في ذات التشوهات. إذ يكشف المسح الأخير للدخل والنفقات الأسرية أن 70 % من الأسر الأردنية تمتلك أكثر من جهازي خلوي في البيت، وبعضها لديه خمسة أجهزة. كذلك، فإن ثلث الأسر الأردنية لديها هاتف خلوي ذكي على الأقل. ويفوق الإنفاق على التدخين في الأسرة الواحدة ما يُنفق على الملابس. فيما تقع نفقات العلاج والصحة في ذيل القائمة. واليوم، يؤكد مهندسون ونقابيون ومتخصصون في قطاع العقار أن الأسرة الاردنية تنفق ما يقارب نصف دخلها على السكن. ولنا أن نتخيل كيف يقوى رب الأسرة على التكيف مع دخل محدود، ينفق نصفه على السكن!
أيضاً، تشير ميزانيات المدارس والجامعات الخاصة المتضخمة سنة بعد أخرى، إلى أن الإنفاق على التعليم لدى الأسر التي لا يدرس أبناؤها في مدارس وجامعات الحكومة، يستحوذ على ما يفوق ثلث دخل العائلة. والمسألة في غليان وصعود مستمر. ولذلك تواجه الطبقة الوسطى في البلاد، أو ما تبقى منها تهديدات حقيقية. والغريب والمقلق أن نفقات الدراسة والسكن تأتي في الغالب على حساب جودة ونوعية خدمات الصحة والغذاء للأفراد، وبما لا يخضع للمنطق والعقل.
يذهب باحثون محليون في علم الاجتماع إلى أن الإنفاق على المظاهر والعلاقات الاجتماعية ذات الصلة بالعادات والتقاليد، يستنزف الكثير من ميزانيات الأسر، بما فيها الفقيرة. بل إن بعض الأسر يستدين للمشاركة في مناسبة اجتماعية! كما أن بعض الآباء يفضلون المشاركة في حفل زفاف وحضور وليمة الغداء بحيث يقوم بتقديم "النقوط" لوالد العريس، بدل أن يشتري حذاء جديدا لابنه الذي يدرس في مدرسة طريق الوصول إليها وعرة.
التشوهات على صعيد الإنفاق وأولوياته مستمرة، ومتشابهة بين الأفراد والأسر والمؤسسات. فيما الشكوى دائمة بحثا عن رغد العيش المفقود. والأمر برمته يحتاج إلى لحظة صدق واحدة مع أنفسنا بشأن قدراتنا واحتياجاتنا.

التعليق