عربدة الاستيطان وإيران

تم نشره في السبت 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً

شهدنا في الأيام الأخيرة "مسرحية" جديدة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، حينما أعلن عن إلغاء عطاء نشرته وزارة الإسكان في حكومته، لمكاتب تخطيط مدن، تطلب فيه التخطيط لبناء 24 ألف بيت استيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة. ولاحقا، أوضح نتنياهو في "تفسير قراره"، أن خطوة كهذه "ستضر بموقف إسرائيل من إيران في الحلبة الدولية".
بداية، فإنه من السخف أن نصدق المزاعم الإسرائيلية بأن نتنياهو "فوجئ" بالإعلان الذي نشرته وزارة الإسكان بطلب التخطيط لبناء 24 ألف بيت استيطاني، وأنه بداية ألغى بندا من العطاء يتعلق بإحدى ضواحي القدس المحتلة، ولاحقا في ساعات مساء اليوم نفسه، ألغى كل العطاء. فمخطط كهذا، يوازي في مجموعه حجم مدينة كبيرة؛ فمن المفترض أن ينتشر على مساحات شاسعة من الأراضي التي سيطبق عليها، ويتطلب ميزانيات ليست قليلة. ومن ثم، لا يمكن لوزارة أن تقرر بشأنه وحدها؛ بل إن قرارا كهذا مرتبط بعدة وزارات ودوائر سلطوية، وبالأساس مكتب رئيس الوزراء، كون الأمر متعلق بالمناطق المحتلة منذ العام 1967.
ومن يتابع نهج نتنياهو، منذ أول مرّة تولى فيها رئاسة الحكومة في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، ثم في النصف الأول من العام 2009 وحتى اليوم، يعرف تماما مدى تدخله في عمل جميع الوزارات بشكل دقيق؛ فهو آخر من "يتفاجأ" بأي خطوة استراتيجية وأي مشروع كبير تبادر إليه أي من وزارات ومؤسسات حكومته.
وقد علّمت التجربة أن نتنياهو يُكثر من إطلاق بالونات الاختبار لأهداف متعددة. ولهذا، فإن السيناريو الأكثر واقعية، هو أن وزير الإسكان، المستوطن المتطرف أوري أريئيل، قد بادر إلى هذه الخطوة بتنسيق كامل مع نتنياهو ومستشاريه، في محاولة لرصد ردود الفعل، وفي هذه الحالة، أميركيا أكثر منها فلسطينيا، وذلك على ضوء التجاذبات التي ظهرت في وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة بين نتنياهو والإدارة الأميركية، بشأن كيفية التعامل مع إيران، وقلق إسرائيل مما بدا وكأنه حالة انفراج في علاقات إيران مع دول الغرب.
لقد وقف نتنياهو على منبر الكنيست بعد يوم من الإعلان عن المشروع الاستيطاني الضخم ليتباهى، أولا، بأن حكومته بنت آلاف البيوت الاستيطانية، وهي تخطط لآلاف أخرى. ثم قال مدعيا بشأن إعلان وزارة الاسكان: "إن هذا ليس عمليا. وهذا يضر بالاستيطان، ويؤدي إلى احتكاك لا حاجة له مع الحلبة الدولية، في الوقت الذي نحاول فيه إقناع كثيرين باتخاذ موقف آخر في مواجهة إيران".
وهذا يعني أن نتنياهو يعلن جهارة للعالم أنه لا يوجد ما يصده عن جريمة الاستيطان التي تستفحل. وهو شخصيا يتكلم عن آلاف البيوت التي يبنيها وسيبنيها على الأراضي التي يجري التفاوض حولها، وإنه إذا وُجد لديه اعتراض أو تحفظ، فهذا ليس بسبب العملية التفاوضية أو السعي إلى حل الصراع، بل من أجل تسيير أجندته السياسية التي تهدف أساسا الى تثبيت الاحتلال والاستيطان. وهذا ما يطرح السؤال الدائم مرّة أخرى: ما هي جدوى المفاوضات في هذه المرحلة، في ظل حكومة عنصرية شرسة، لا يوجد على أجندتها أي شيء في اتجاه الحل، سوى ضرب أي أفق واحتمال، ولو كان صغيرا، للتوصل إلى حل للصراع؟
لكن المقلق في هذا الشأن، هو أن صوت العالم يخفت أكثر فأكثر، وبات غارقا في أولويات أجندة حكومة الاحتلال التي سعت إلى اختلاق "الملف الإيراني"، وفرضته على الساحة الدولية كقضية أولى. ولهذا، فإننا لم نسمع ردود فعل بالمستوى الذي كنا نعرفه في سنوات خلت. ما يعكس بؤس اختلال ميزان القوى العالمية أكثر. وإذا كان هناك من اكتفى بقرار نتنياهو بإلغاء العطاء، فيكون هذا بؤس أكبر، لأنه قرار خبيث؛ فإلغاء العطاء لا يعني إلغاء النوايا والمخططات.
وفي المقابل، فإن الحالة الفلسطينية تزداد بؤسا. فحتى حينما يُطرح الموضوع في داخل الحلبة الفلسطينية، فإن الاتهامات المتبادلة تكون في خلفياتها أجندات فصائلية، منها ما لا يخدم المشروع الوطني الفلسطيني. وطالما أنه لا يوجد إجماع وطني شامل حول أجندة فلسطينية مرحلية، تخدم المشروع الوطني الفلسطيني العام، فإن حالة الاحتراب والشلل الشعبي ستستمر وتستفحل.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المصالحة هي التي تخدم المشروع الوطني الفلسطيني (هاني سعيد)

    السبت 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    ان الاجندة المرحلية الفلسطينية التي تخدم المشروع الفلسطيني والذي تعتبر ذهبية في الوقت الحاضر ويجب على الفلسطينيين اقتناصها اذا كانوا جادين فعلا في مشروعهم الوطني هي المصالحة الذي لا بديل عنها بالتزامن مع المقاومة بكل اشكالها والذي ستركع اسرائيل ومن خلفها لأن تنتياهو لا يملك لنفسه ولا يجرؤ ان يفعل شيئا مخالفا بالنسبة للمستوطنات للأنه مهدد بالطرد من الحزب ويتظاهر بالعنجهية والغرور وهو في الحقيقة جبان ثم ان العالم يعرف ان اسطوانة النووي الايراني المختلقة من قبل اسرائيل ولا تنطوي حيلهم على المجتمع الدولي واصبحوا مكشوفين بأكاذيبهم