محمد أبو رمان

مأساة اسمها المدارس!

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً

يبعث الملف الذي نشرته "الغد"، أول من أمس، عن حالة المدارس في المملكة، على الإحباط والاكتئاب؛ ويدعو النخب السياسية والمثقفة والأكاديميين، بل الجميع، إلى قرع أجراس الخطر والإنذار، والتفكير، مرّة أخرى، في حجم المأساة التي نجلس عليها ونتجاهلها بعناد!
الملف يكشف غيضاً من فيض ما يعانيه أبناؤنا من ظروف غير تعليمية ولا صحيّة، ولا حتى إنسانية، في مرافق المدارس والغرف الصفيّة، بسبب ما تعانيه من انعدام الشروط الأساسية؛ من اكتظاظ الصفوف بالطلبة، ونقص المعلمين، والمباني المستأجرة غير الصالحة للتدريس، لا في مرافقها ولا في خدماتها الأولية البسيطة، ولا في التهوية والتدفئة، أو دورات المياه، أو الساحات.
بالطبع، ساهمت استضافة الحكومة للطلبة السوريين في المدارس العامة، في العديد من المحافظات، إلى زيادة الضغط على المدارس وتضخيم حجم المشكلة، بخاصة في محافظات الشمال، مثل المفرق والبادية الشمالية.
الشكاوى التي نقلها الزملاء عن أولياء أمور الطلبة، تثير الحسرة والألم؛ فكيف نتوقع من طالب أن ينتج أو يبدع، وهو في غرفة صفيّة يتشارك فيها مع قرابة 50 طالباً، من دون تدفئة أو تهوية مناسبة، ومن دون وجود دورات مياه أو مرافق آمنة نظيفة؟! وكيف يمكن أن يعطي المعلّم ما لديه، أو أن يطوّر نفسه، ويكون قادراً على تقييم طلبته وهو يعمل في هذه الظروف القاسية؟!
لاحظوا أنّنا ما نزال نتحدث عن الشروط الأساسية غير المتوافرة في المدارس العامة، والظروف الظالمة التي تحيط بدراسة مئات الآلاف من طلبتنا، وعن حالة متردية عامة أصبحت عنواناً أساسياً لوضع التعليم العام في مدارسنا، فكيف إن تحدثّنا عن مجالات الإبداع والبحث العلمي وتطوير أداء التعليم والارتقاء به!
من المؤسف حقّاً أنّ هذا الموضوع؛ التعليم العام، يقع في ذيل اهتمامات الحكومات المتعاقبة، ويتم التعامل معه بوصفه رقماً في الموازنة، يمثّل عبئاً عليها على صعيد النفقات الجارية! بينما الأصل أن يكون هاجساً حقيقياً للجميع، وأولوية على كل الملفات الأخرى؛ فمن المخجل أن يكون حجم الإنفاق على الشوارع والطرقات أعلى من ذاك المخصص للمدارس والتعليم.
لسنا بحاجة إلى الحديث عن التعليم وأهميته، أو تذكير الحكومات بذلك، إذ يمكن لأيّ منّا أن يقرأ أي كتاب عن أسباب النهضة الماليزية أو الإنجاز الياباني والكوري الجنوبي بعد الحرب العالمية الثانية، وحرب الكوريتين، وكذلك الحال بالنسبة لألمانيا؛ لنجد أن كلمة السرّ لجميع هذه التجارب هي التعليم، أولاً وأخيراً. فهو الذي يؤسس الأجيال التي تؤمن بالتقدم والعلم والعقل والتغيير؛ الأجيال المؤهلة علمياً ومهنياً للتعامل مع العصر وروحه ومتطلباته؛ الأجيال التي تمتلك القيم الوطنية والأخلاقية المطلوبة لإنجاز العمل. التعليم هو شرط التقدم والبناء، وغيابه في المقابل سبب الانهيار والتراجع والتخلف.
وعندما نتحدث عن التعليم، فإن المقصود هو بالتأكيد التعليم العام الحكومي. فالمدارس الخاصة، مهما كانت مخرجاتها، ليست بديلاً عن التعليم العام؛ بل يمثل انتشارها وتذبذب مستواها وانفلاتها من الرقابة العامة، مؤشراً رئيساً على خطورة ما وصل إليه التعليم العام، واختلالاً كبيراً في موضوع العدالة الاجتماعية وتكافؤ فرص التعليم، وانعدام شروط العدالة الاجتماعية في القضايا الأساسية، فضلاً عما يمثله ذلك من عبء كبير على أبناء الطبقة الوسطى!
التفكير حالياً يفترض أن ينصبّ على تخصيص الحكومة جزءاً كبيراً من المنحة الخليجية لتحسين البنية التحتية للتعليم. وسيكون ذلك خطوة من الخطوات الأساسية المطلوبة. وأن يترافق ذلك مع تغيير أسلوب التعامل مع التعليم؛ من النظر إليه كأمر ثانوي، إلى اعتباره تحدياً وطنياً رئيساً، وأولوية كبرى للدولة بأسرها، وليس فقط للحكومات العابرة!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المعلم + المناهج + المدارس + المال (هي 4 ميمات) تعتبر أساسا لبناء المجتمع؟ (شريفة)

    الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    أساس بناء المجتمعات هو المعلم والمناهج التعليمية والمباني وتجهيزاتها، ودول كاليابان وماليزيا وكوريا ذكرها الكاتب الفاضل نجحت في بناء هذا الأساس القوي. وبريطانيا مثلا (1) تختار المعلمين المؤهلين علميا ونفسيا، وتعطيهم رواتب عالية وحوافز مالية ومعنوية كثيرة. (2) تهتم بالمناهج التعليمية الأساسية (أول 12 عاما من الابتدائي حتى الثانوية) وتطورها باستمرار لتأسيس الطالب جيدا بحيث يكون قادرا على دخول مرحلة التعليم الجامعي بكل ثقة واقتدار وابداع. (3) تخصص ميزانيات ضخمة لانشاء المدارس الحكومية الملائمة من النواحي الصحية والتجهيزات وعدد طلاب كل صف. لذا فإن المعلمين هناك مخلصون في تدريسهم ويتخرج على أيديهم طلابا يتصفون بالعمق والابتكار والفهم والوعي. أما في وطننا الاردن فيوجد قصور هائل في ناحيتين هما : أولا - رواتب المعلمين متدنية وبالتالي فهم غير مستقرين نفسيا وهذا يؤثر على أدائهم. وثانيا - عدم توفر العدد الكافي من المدارس الحكومية الملائمة والمتسعة والنظيفة. أما المناهج التعليمية لأول 12 عاما وهي التعليم الاساسي، فلا بأس بها وإن كان الامر يحتاج الى تعديل وتطوير لمواكبة التطور في العالم. وهكذا فإن كان هناك نية للنهوض بمجتمعنا حقا، فلا بد من وضع أسس لاختيار المعلم المناسب وتأهيله ومنحه الراتب المجزي، وكذلك إنشاء المزيد من المدارس الملائمة. ورغم أن هذا الأمر لن يتحقق إلا بتخصيص ميزانيات ضخمة إلا أنه يعتبر استثمارا في محله لأنه استثمار في بناء الأجيال. مع التحية للكاتب الفاضل.
  • »تدمير التعليم (عمران الوقفي)

    الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    ما تحدثت عنه دكتور محمد غيض من فيض ما يحدث في المدارس.
    أنا معلم في مدرسة حكومية وما أراه لا يشير إلا عمل ممنهج لتدمير التعليم, فمن تجهبزات متهالكه إلى اكتظاظ لا يطاق, إلى نمط إداري متخلف, إلى معلم محبط ,إلى رقابة مفقودة على ما يمارس في الغرفة الصفية.
    وبعد ذلك يصرعون المدارس وكوادرها بخطط التطوير التى لا تتجاوز كونها بزنس وعمولات وتنفيعات ولا تمس جوهر العملية التعليمية
    واقع المدارس يا دكتور محمد يؤشر على أننا نسير نحو الهاوية
  • »تراكمية مأساة التعليم في الاردن (عايده مهاجر)

    الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    ربما استاذ ابو رمان بدأت مؤشرات التراجع في التعليم قبل أزمة الطلاب السوريين، واكيد انهم زادوا الوضع مأساوية،ولكن اذا ما نظرنا الى معادلة التعليم (مدخلات ومخرجات ) فاننا امام مشكلة جوهرية في التعليم الاردني من تراجع لكفاءة المعلمين وانخفاض مستويات الطلبه المعرفية والتعليمية وحتى في المناهج التي لا تخضع الى المراجعه والتطوير، واعتقد انه من عشر سنوات تقريبا بدانا نشعر بجملة التراجع هذا. وما تتحدث عنه من مشكلة الحقوق الاساسية التي يفتقر اليها طلاب المدارس، فاعتقد بان كل هذا سيسرع في جملة الانهيار في البنية التعليمية برمتها، ولا اتمنى ان نستفيق على امية جديدة.
  • »تعقيب (ابو وندي)

    الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    السيد محمد ابورمان... لنفترض ان الحكومة خصصت كافة المنحة الخليجية وزادت عليها لمعالجة مشاكل البنية التحتية من ابنية ومعدات ...الخ. سيبقى لدينا مشاكل مستعصية لا علاقة لها بالمال. المناهج احدى هذه المشاكل. هل لدينا في الأردن المصادر البشرية لوضع مناهج تدريس تواكب عصر المعرفة ... الجواب بشكل مطلق وللأسف الشديد لايوجد. نقص المدرسين مشكلة ولكن لنسأل انفسنا هل فعلا لدينا مدرسين. الجواب مرة اخرى وللأسف الشديد لا. لا داعي للإحباط من امر واقع لا نستطيع العمل حياله اي شيء فقدراتنا المتوفرة لمعالجة واقع التعليم المؤلم متواضعة جداً والمال لا يعتبر تعويضا. الخلاصة حتى بتوفر المال لن نستطيع حل الإشكالية بسبب عدم وجود العنصر البشري المؤهل وللحصول على ذلك العنصر البشري المؤهل نحتاج الى تعليم مميز وهكذا سنبقى ندور حول انفسنا ونسال من هي الاولى البيضة ام الدجاجة