عيسى الشعيبي

شوكة

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً

عندما يرغب أحدهم في إبداء الشكوى من شخص عزيزعليه، تسبب له بألم معنوي أو جسدي خفيف، ولا يود أن يقطع الوشائج القديمة مع صاحبه، أو أن يبالغ كثيرا بشأن الفعلة المؤذية بحقه، يزم شفتيه تبرماً، ويتجمل بالصبر، ثم يسحب من مخزون التراث الشعبي مثلاً مثقلاً بدلالات الدهشة والعتب والمرارة قائلاً: لقد سبب لي من ائتمنت جانبه غصّة في الحلق. فإذا ما تكرر الفعل واستمرأ فاعله السلوك المشين ذاته، قال: إن ذلك الرجل صار شوكة في حلقي.
وفي العادة، لا يقع هذا القول إلا بين متحابين أو شريكين، ولا يصح إلا بين أفراد أسرة واحدة، أو ضمن مجتمع عاملين في مؤسسة صغيرة. أما في المجال العام وفي إطار العلاقات السائدة بين متناظرين في المكانة، ومتناددين في المرتبة الاجتماعية، فلا محل لمثل هذه الشكوى المسكونة بروح الصداقة الجريحة. فما بالك إذا وقع مثل هذا التذمر بين ساسة، وجرى بين زعماء دول تتقدم لديهم اعتبارات المصالح على هلام العواطف.
على هذه الخلفية، بدا لي وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما، لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وفق ما نقله مؤخرا دبلوماسيون وكتّاب أميركيون مطلعون جيداً، بأن هذا الأخير الذي يعتقد أن بلاده فوق القانون، هو إنسان ممل ولا يُحتمل، كونه متعجرفاً، متكبراً ومغروراً؛ أقول بدا لي هذا الوصف المؤسس على خبرة ذاتية لأول رئيس أميركي أسود، تشخيصاً دقيقاً لزعامة نتنياهو المثخنة بالتطرف والديماغوجيا والعجرفة، تماماً على نحو ما كان قد خلص إليه بيل كلينتون من قبل وهو في سدة الرئاسة الأميركية.
ذلك أنه حين يصف أوباما حليفه الإسرائيلي بأنه بات "شوكة في المؤخرة" فإن في الأمر ما يدعو إلى التعجب حقاً، ويحمل على التندر الذي لا يخلو من الشماتة، على ما آل إليه حال رئيس رؤساء العالم، فائض النفوذ والقوة، صاحب القول الفصل في المجريات العالمية، وهو يعقد كفيه شاكياً باكياً، إن لم نقل صارخاً من شدة الألم، جراء انغراز تلك الشوكة في عجزه، من دون أن يجرؤ على اقتلاعها بيده الطويلة، بل ويفضل التعايش معها كشر لا بد منه، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
كان من الأفضل لأوباما أن يصف نتنياهو بأنه شوكة في الكعب، فهو موضع في الجسم أقل حساسية من المؤخرة؛ وكان يمكن له أن يصف الرجل المتعجرف بأنه شوكة في الفم. أما إذا ما أراد المغالاة في إظهار مدى شدة شعوره بالوجع، فكان بإمكانه القول إن نتنياهو صار شوكة في الحلق، يصعب معها ازدراد اللقمة السائغة، أو ابتلاع شربة ماء باردة، لاسيما أن الشوكة في القدم أو الفم أو الحلق قد تكون ذات منشأ شجري، في حين توحي شوكة المؤخرة بأنها معدنية، مثل تلك التي لدى الخياط أو النسّاج.
وقد كان من الأبلغ لأوباما وأجدى، لو قال إن نتنياهو بات شوكة في الخاصرة، كناية عن وعي مسبق باستشعار خطر صغير، وتصميم على عدم التسليم بوضع غير مقبول، فوق أن المغزى الكامن في تحديد موضع مثل هذه الشوكة في الجسم، ينطوي على بث رسالة لمن يعنيه الأمر، بأن الكأس قد فاضت عن حوافها، أو أن السيل قد بلغ زباه، ولم يعد في الوسع مزيد من الصبر والانتظار، وبالتالي فقد أعذر من أنذر، ولا ملامة بعد اليوم إن لم يسوّ الأمر.
غير أننا ندرك سلفاً أنه في مجرى علاقات التحالف الاسترتيجي بين أميركا وإسرائيل، يمكن للولد الشقي أن يتدلل على أبيه، وأن يُمعن في الحرد كلما يحلو له، وإلا يلقى رغم ذلك حتى مجرد توبيخ، أو غير ذلك مما تقتضيه آداب التربية وتقويم السلوك. ولعل نظرة عاجلة على مدى الفجور السياسي الإسرائيلي إزاء الميول الأميركية المستجدة لتسوية الملف النووي الإيراني بالتي هي أحسن، تكفي وحدها لفهم لغز شكوى باراك أوباما من نتنياهو الذي بات بمثابة شوكة مسكوت عنها في المؤخرة الأميركية المترهلة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق