إبراهيم غرايبة

الإدارة العامة و"الأردني"

تم نشره في الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

في دول عدة، منها الأردن، تشكل الإدارة العامة هوية المواطن ووعيه بذاته ووجوده. ولو سألنا اليوم "من هو الأردني؟"، بمعنى الفكرة السائدة عنه التي يُعرف بها، فإن الإجابات، معظمها إن لم تكن جميعها، ستكون متصلة على نحو وثيق بدور الإدارة العامة في تشكيل وعي الأردني لذاته، ووعي الآخرين له. حتى الصورة الإعلامية السائدة عن الأردني في الداخل والخارج؛ سواء كانت صائبة أم خاطئة، ساهمت الإدارة العامة مساهمة رئيسة في تشكيلها وتقديمها.
يشبه الأردن في الفكرة وطبيعة الموارد (على تفاوت في المستوى) سنغافورة. ففي تلك الجزيرة المقتطعة من ماليزيا، وذات الأغلبية السكانية الصينية التي يشارك فيها الهنود وقليل من الإثنيات الأخرى، بذلت النخبة السياسية والثقافية المؤسِسة للدولة، جهدا كبيرا في إنشاء وعي جامع مشترك للذات، وفكرة عنها لدى الآخر.
"من هو السنغافوري؟"، كيف تعرف السنغافوري من غيره؟"؛ يتساءل لي كوان يو، رئيس سنغافورة -والمؤسس لها- منذ استقلالها العام 1959 إلى العام 1990، ثم مستشار الدولة حتى العام 2011. ويجيب بالقول: السنغافوري عندما يعمل في ورشة أو مزرعة يحمل عصا في كل طرف منها "سطل"، وغير السنغافوري يشارك زميله العصا ويضعان "سطلا" في المنتصف؛ بمعنى أن السنغافوري هو الذي ينتج أربعة أضعاف غيره!
بالطبع، ليس الهدف الأساسي من الارتقاء بالإدارة العامة هو تسويق العمالة الأردنية في الخارج، كما فهم الصديق محمد البطاينة في تعليقه على مقالي أمس. وكان المثال عن الأردني في الخارج يُقصد منه كيف تشكلت صورة إيجابية عن الأردني بفضل المؤسسات التعليمية والعامة في الأردن. بل وعلى عكس ذلك، فإني أتفق مع الأستاذ البطاينة بأن هجرة العمالة الأردنية إلى الخارج تلحق ضررا كبيرا بالمنظومة الاقتصادية الاجتماعية للبلد، وتعوق التقدم المهني ونمو الأسواق وتفاعلها مع المجتمع. وحتى الحوالات المالية القادمة من الخارج بفضل المغتربين، تساهم في تدفق نقدي غير مغطى بعمل وإنتاج وحراك اقتصادي اجتماعي منشئ ومدور لهذه الأموال، كما أنه عائد لا يعوض الجهود والأوقات والموارد التي بُذلت لأجل إعداد الكفاءات المهنية!
الفكرة الأساسية أن الإدارة العامة، سواء في مستواها وكفاءتها أو في منتجاتها التشريعية والثقافية والإعلامية، تنشئ المواطن. وفي الأردن بخاصة، فإن المواطن في وعيه لوجوده، وفي قدرته على المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، يعتمد في ذلك على الإدارة العامة. ومؤكد بالطبع أن السلبية القائمة اليوم في وعي الأردني وصورته وسلوكه الاجتماعي والعام، وانخفاض مستوى الفاعلية والإنتاج وتردي ثقافة العمل والانتماء والمشاركة، تتحمل مسؤوليتها الإدارة العامة؛ تتحملها على نحو مباشر في مستوى أدائها ورؤيتها ورسالتها، وعلى نحو غير مباشر فيما تنشئه من منظومة اجتماعية ثقافية.. وأصعب من ذلك كله أن المجتمعات فقدت استقلاليتها، وصارت ملحقا بالدولة؛ تعتمد عليها في شأنها كلّه. واليوم، فإنها (المجتمعات) تواجه استحقاق ضعفها وضعف مستوى الإدارة العامة!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (محمد صوانة)

    الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    أستاذ إبراهيم،
    من أفضل المقالات التي قرأتها في هذا الوعاء الإعلامي، منذ فترة ليست بالقصيرة.

    الطرح موفق، والتحليل يضع يده على موضع الجرح؛ سواء كان نازفاً أم مرشحا للنزف.

    مع التقدير