عيسى الشعيبي

بين واشنطن المتثائبة والرياض المتوثبة

تم نشره في الجمعة 25 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

مع أن روسيا الاتحادية كانت أول دولة، وربما الوحيدة، التي عبرت عن صدمتها إزاء رفض المملكة العربية السعودية لعضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي، إلا أن الدولة المخاطبة أساساً بهذا الموقف السعودي الغاضب كانت هي الولايات المتحدة، التي فهمت فحوى هذه الرسالة الاحتجاجية، وأدركت مغزى توقيت الإعراب عنها في لحظة أميركية ملتبسة، ومثيرة للهواجس لدى سائر حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، ناهيك عن إيران المترقبة لمآلات انفتاحها المفاجئ على شيطانها الأكبر.
هذه ليست هي المرة الأولى التي تتخذ فيها "السعودية" موقفاً ينم عن وجود خلاف عميق مع الحليف الأميركي. إلا أنها المرة الأولى التي تتسع فيها شقة الخلاف إلى هذا الحد، وتتصادم  المصالح والإرادات على هذا النحو، الذي يفوق في اتساعه وعمقه كل ما وقع بين الحليفين الاستراتيجيين من تباينات واضحة؛ سواء أكان حول العراق أو البحرين، أو حول الموقف من مصر بعد أن أسقط شعبها وجيشها حكم الإخوان المسلمين الفاشل.
لقد كانت الرسالة "السعودية" موجهة ظاهرياً إلى الأمم المتحدة، وكان الاحتجاج معنوناً باسم مجلس الأمن الدولي، على خلفية فشل هذا المجلس في حل أي من مشاكل الشرق الأوسط المستعصية، جراء اعتماد دوله الكبرى لسياسة المعايير المزدوجة. غير أن الفشل الأممي هذا ليس جديداً أو طارئاً كي تقوم الرياض بكسر صورتها الكلاسيكية السائدة عنها في الأذهان العامة؛ كعاصمة لدولة عربية غنية وكبيرة، محافظة وحذرة، ولا تدخل في نزاع علني مكشوف مع أشقائها وأصدقائها.
من الواضح أن السيل قد بلغ الزبى لدى السعوديين المتمسكين، كابراً عن كابر، بالصبر والصمت والحكمة؛ ليس حيال المنظمة الدولية، وإنما إزاء الولايات المتحدة التي تسببت بسياساتها الانسحابية الملتوية، في تقويض الثقة الضئيلة المتبقية لها في المنطقة، وذلك على نحو ما تقصه ببلاغة شديدة المواقف الاميركية المتعلقة بالأزمة السورية، والتي باتت مجرد مسألة كيماوية، استحق النظام الذي يواصل تقتيل شعبه بكل صنوف الأسلحة، مديح وزير الخارجية الأميركي جون كيري، على حسن تعاون الأسد مع المفتشين الدوليين.
ولعل السؤال المطروح الآن ليس ما إذا كان لهذا الموقف السعودي ما يبرره، وإنما ما مدى تأثيره على الترتيبات الدولية الجارية على قدم وساق لعقد مؤتمر "جنيف2"؛ إذ تبدو الرغبة الأميركية لا تقل شدة عن نظيرتها الروسية الساعية نحو عقد مؤتمر بلا جدول أعمال ولا آجال زمنية، قد لا يؤدي سوى إلى إعادة تعويم النظام الذي فقد شرعيته، وتفتيت المعارضة السورية المفتته أصلاً، وإدخال الأزمة المتفاقمة أدراج لعبة الأمم ومقايضاتها السرية.
وعليه، سيكون مؤتمر "جنيف2" الذي ما تزال دروبه مغلقة، محك الاختبار الحقيقي لمدى نجاعة الدبلوماسية السعودية المتوثبة، التي قد لا تعارض عقد هذا المؤتمر في موعده المستهدف بعد نحو شهر، إلا أنها قد لن تكون شريكاً فعالاً في إطاره الواسع. الأمر الذي يعني والحالة هذه أن الرياض تمتلك واحداً من أهم مفاتيح "جنيف2"، وأن لديها كلمة مسموعة، وفوق ذلك رغبة قوية في الحد من النفوذ المتنامي لإيران في المنطقة.
وأحسب أن الولايات المتحدة المدركة لوزن السعودية الراجح في الأزمة السورية، سوف تتحسب كثيراً لكل نأمة تصدر عن الرياض فيما يخص المؤتمر العتيد، بما في ذلك تحفظها على مشاركة إيران في أعماله. وبالتالي، فإن أي تجاهل للإرادة السعودية من شأنه أن يطيح بهذا المؤتمر قبل أن ينعقد، إذا ما فضلت واشنطن استعادة علاقاتها التاريخية مع طهران، على حساب تحالفها التاريخي مع الرياض.
هكذا، وبقدر ما كانت الأزمة السورية وسيلة استخدمتها روسيا ببراعة شديدة، لاستعادة مكانتها السابقة على خشبة مسرح السياسات الدولية، بقدر ما قد تؤدي هذه المجابهة مع الرياض الممسكة بخيوط اللعبة، إلى تصعيد المكانة السعودية إلى درجة أعلى على سلم علاقات القوة في المنطقة، واكتسابها نفوذاً إضافياً يملأ الفراغ الناشئ عن استمرار الغيبوبة المصرية، ويعيد التعادل إلى التوازنات الإقليمية المختلة في الشرق الأوسط.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بداية النهاية للصلف والغرور الأمريكي حول العالم. (QARAWAI)

    الخميس 24 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    ذلك يثبت تخبط سياسات واشنطن ورعبها وخوفها من ظهور قوة دولية وإقليمية مؤثرة في المنطقة ، وخاصة من قبل موسكو وطهران. حيث أن هذا التخبط قد ظهر من خلال تجسس واشنطن على الحلفاء قبل الأعداء ، ومحاولة بيع حلفاءها بأرخص وأبخس الأثمان ، مقابل الحفاظ على مصالحها ، وخاصة توفير الأمن والحماية للعدو الصهيوني في المنطقة ، نتيجة لدور اللوبي الصهيوني المباشر في صدور كثير من قرارات واشنطن المتسرعة والفاشلة ، وقد ظهر هذا التخبط من تراجع كثير من حلفاء واشنطن في دعم سياساتها الفاشلة ، ومن خلال استخدام الفيتو لعشرات القرارات الصادرة من مجلس الأمن ، والأمم المتحدة طيلة العقود الماضية ، واستمرار واشنطن في تحقير وتجاهل دول وشعوب العالم مقابل الحفاظ على مصالحها في المنطقة ، وعلى حساب كثير من حلفاءها ، ومن خلال حياكة المخططات والمؤامرات والدسائس لكثير من أنظمة ودول وشعوب العالم ، والتي تشير إلى قرب نهاية الصلف والغرور والهنجعية لرعاة البقر ، مما أدى إلى هبوط الدولار وتراكم الديون ، وبمئات ألوف المليارات على الخزينة الأمريكية.