نادر رنتيسي

الـ30 % من سكان خارج الأردن!

تم نشره في الأربعاء 14 آب / أغسطس 2013. 03:00 صباحاً

في الأردن هناك فئة قليلة مغضوبٌ عليها من الفئة الكثيرة؛ هي "تحت القصف" المباشر دائماً، يستهدفها الكُتَّابُ في أعمدة الورق على نحو يومي، ويلعنها باعة العصير الخفيف تحت أعمدة الإنارة الصفراء في وسط البلد، وهناك أيضاً يبادلها سائقو "سرفيس" جبال عمان السبعة، العداء الطبقيّ، وفي المقاعد الخلفية تدعو النساء المعذبات على سياراتهم بالعطب الدائم، وعلى منازلهم بأن تصبح مأوى للغربان. فئة قليلة يُغلبُ أمرُها في كلِّ قرارٍ لرئيس الوزراء برفع الأسعار، وتُذكَرُ في الهامش التوضيحيِّ ضمنياً: "هذا القرار لن يمسَّ 70 % من سكان المملكة"!
كان يردُ ذكر المنتسبين لـ"الفئة القليلة" بصيغةٍ شديدة الاتساع، فهُمْ في مسلسلات "ربيع شهاب" و"محمد العبَّادي" الريفيَّةِ، يُختَصرونَ بـ"أهل المْدِينِهْ". هذا في القديم القريب، عندما كانت "عمَّان" أكبر من قريةٍ كبيرةٍ، ولما اتسعت "القرية" على جانبيِّ وسط البلد، في القريب القديم، إلى قسمين متضادين، صارت صيغة ندائهم في مسلسلات "شهاب" و"العبَّادي" شديدة الاختصار، بحجم أحياء صغيرة يتمُّ تلخيصها بـ"عمَّان الغربية"، ولمَّا قال وزير موثوقٌ إنَّ خطَّ الفقر ارتقى إلى ألف دينار، انحصر ذكر "الفئة القليلة" في حي "عبدون"، وباتَ "القصف النحويُّ" مركَّزاً: "فما صفا البَحْرُ إلا وهو منتقصٌ، ولا تعكر إلا في الزيادات"!
ولإنقاص "البحر" حتى "يصفو"، ولتخفيف "العكر" في "الزيادات"، تفرَّغَ رئيس الوزراء، والطاقم الوزاريُّ في الوزارات المعنية، باستهداف المنتسبين لـ"الفئة القليلة"؛ فهم المقصودون برفع سعر "أوكتان 90"، والمعنيون حصراً بسيلان أسعار "أوكتان 95"، و"ضرائب" البطاقات الخلوية كانت مسدَّدةً بشكل مباشر إلى حملة النسخة الأخيرة من "آي فون"، ونوايا الحكومة المضمرة تجاه الكهرباء، كان لها هدفٌ معلنٌ: "التعتيم" على "الفئة القليلة"، وكان لها مهمة محدَّدة أيضاً: أنْ تصيبَها بـ"الجنون وبالجنون"، وتدفعها لـ"الرقص في العتمة"!
تخوضُ الحكومة الحربَ ضدَّ الفئة القليلة، نيابة عن الفئة الكبيرة، التي لا تقلُّ عن 70 % من سكان الأردن، وهي حربٌ "ضروس" و"ساخنة"، قد تكون أشدَّ طحناً من الحرب العراقية- الإيرانية، وقد تطولُ لأكثر من مائة عام، ما يستدعي تيويبَها أجزاء كـ"حرب الخليج الأولى" و"الثانية" و"الثالثة"؛ وهناك حكومة أولى، وحكومة ثانية، وربَّما ثالثة، ولم تضع الحرب بعد أيَّ وُزر من أوزارها. لكنَّ الإذاعة الرسمية على موجة AM تتحدَّث عن "انتصارات" مؤثرة ضدَّ "الفئة القليلة"، باستهداف السلع التي لا غنى لها عنها: السمك المقطوع رأسه!
أودُّ أنْ أبدي رأياً لا يتمتع بالحياد في الحرب التي لا تتمتع بالبراءة، وأظهر تعاطفاً غير محدود مع "الفئة القليلة"، بصفتي الصريحة: مواطناً لا يصدِّقُ أيْمان الوزراء، وقروياً لا يصله بثُّ التلفزيون المحلي، ومدنياً غادر مع الزمان زمن الإذاعات على موجة AM، وشاهد عيان على "مسرحية الحرب" على "فئة" لا تسكنُ الأردن، ولا تأكل السمك المقطوع الرأس.. كنتُ أودُّ أنْ أقولَ قولاً لا يتمتع بالحياد ولا بالبراءة: إن أكثر الضحايا في الحروب هم الذين لا يودُّونَ خوضها!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طبقة مسحوقة (لينا)

    الأربعاء 14 آب / أغسطس 2013.
    الاردن اصلا تعاني من شرخ مجتمعي طبقي بفعل خط الفقر الذي يضم في جنباته الحيز الاعظم من الشعب ...يبين عشوائية الارقام التي تصدرها الدولة حول الاقتصاد ورسالتها التمويتية للحد من معاناة الطبقة المسحوقة..
  • »مقال متميز (سلام)

    الأربعاء 14 آب / أغسطس 2013.
    مقال متميز .. اعجبتني فقرة ربيع شهاب والعبادي وذكرتنا بمسلسلات الثمانينات ايام المجد الدرامي الاردني
  • »أسبت الحقيقة في كبدها! (د. أمين محمد)

    الأربعاء 14 آب / أغسطس 2013.
    التقطت زاوية مهمة في مقالك اليوم.. فعلا انه الحكومة والحكومات المتعاقبة تخدرنا بعبارة ان الفئات المستهدفة هي ذات الدخول المرتفعة وغيرها منا لعبارات الواسعة جدا لتبرير اي عملية رفع ثم نكتشف كما اكتشفت انت في مقالك ان هذه الفئة غير موجودة اصلا في الاردن لا هي ولا اولادها ولا أموالها ومن الطبيعي انها لا تأكل السمك المقطوع راسه!!!
  • »من سكان الاردن (مروة)

    الأربعاء 14 آب / أغسطس 2013.
    ان اكثر ضحايا الحروب هم الذين لا يودون خوضها.. ما اصدقها من عبارة