عيسى الشعيبي

أفدح من خسارة قصر رئاسي

تم نشره في الجمعة 5 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً

كان أكثر الأسئلة التي ألحت على الذهن، وأنا أتابع ذلك السيل البشري المتدفق عبر شوارع المدن المصرية وميادينها، هو: كيف تمكنت أعرق الحركات الإسلامية وأوسعها انتشاراً، من صناعة كل هذه الكراهية لها في نفوس تلك الجماهير التي سبق أن حملت الإخوان المسلمين، قبل نحو عامين، من غياهب السجن إلى سدة الحكم، وسطعت شمسها بقوة في سماء الربيع العربي، ثم آلت إلى هذا المآل الغريب؛ مخلفة وراءها قصة نجاح قصيرة، ورواية فشل طويلة، سوف تطالعها الأجيال المقبلة، بقليل من الدهشة والاستغراب، وكثير من العظات والدروس الثمينة؟
ذلك أنه حينما تخسر جماعة الإخوان المسلمين قصر الرئاسة، تحت ضغط الشارع والجيش، تكون قد خسرت ما هو أفدح لها من ضياع صولجان الحكم، وأثقل عليها من العودة إلى صفوف المعارضة، وأشد هولاً من مخاطر العودة إلى الملاحقة، خصوصاً أن هذه الخسارات قد تمت في زمن قياسي لم يزد على عام واحد، خاضت فيه سلسلة لا حصر لها من المواجهات مع الجميع، وحصدت ما لا يحصى من الفشل على كل صعيد، لتجد نفسها وسط هذا الكابوس السياسي المرعب، ضحية لعماء بصيرتها وانغلاقها على ذاتها.
فقد خسرت الجماعة في مصر، حيث قاعدة الارتكاز الكبرى للتنظيم الدولي، وحاضنته التاريخية، صورتها كقوة اعتدال بديلة لظاهرة التطرف الإسلامي، وفقدت هويتها كبيت للوسطية، وذلك عندما لم تجد من يقف إلى جانبها في ساعة المحنة الأخيرة، سوى الجماعات الموصومة بالإرهاب. وهو ما قد يكون أكثر بلاغة من خسارة سلطة يمكن استعادتها في مرحلة لاحقة، وأوسع مدى من تضاؤل شعبية يسهل استردادها بعد أن تهدأ العاصفة. ففي زمن ثورة المعلومات والمعرفة، تصبح خسارة الصورة هي الخسارة الحقيقية.
قد تتعدد الآراء، وتتباين الاجتهادات في تعليل أسباب صعود حركة الإسلام السياسي، وهبوطها على هذا النحو السريع؛ بين من يردّ ذلك إلى قلّة الخبرة وعدم الأهلية في إدارة الشأن العام خلال المراحل الانتقالية، وبين من يرى أن ذلك يعود إلى الرغبة في الاستئثار، ومعاداة الإعلام والقضاء، والأزهر والأقباط، والنساء، وانعدام ثقافة التحالفات، ناهيك عن الاتكال على صندوق الاقتراع لمرة واحدة، أو غير ذلك من العوامل التي كسفت شمس الإخوان بهذه السرعة الفائقة.
ودون التقليل من أهمية أي من الأسباب التي أودت بأكبر حركة إسلامية منظمة تسيّدت مشهد الحراكات الاجتماعية والثورات العربية في السنوات الماضية، فإن من المعتقد أن هناك عاملين أساسيين وقفا بقوة خلف هذا الانحدار الذي يستحق المزيد من التحليل وطرح الأسئلة. أولهما، التضليل للنفس ومراوغتها، مع شدّة الافتقار إلى الحساسية، والاعتقاد بامتلاك الصواب الكلي والحقيقة المطلقة، وتوسل الدين سبيلاً الى امتلاك السلطة. وثانيهما، حالة الإنكار التي لازمت خطابها، وعمقت ميول الاستبداد والاستعلاء لديها.
كان من غير الممكن للرأي العام، لاسيما القطاعات الأشد تديناً وفقراً وأمية، أن يكتشف بنفسه زيف مقولة "إنها لله"، وأن يرى كل هذا الافتراق بين القول والفعل، وأن يتقبل بدون نقاش مظاهر "أخونة" الدولة، وزيادة مصاعب الحياة العامة، لولا أن الناس التي تم تضليلها طويلاً، وقفت بنفسها على خواء الادعاء، وخراب أحوال العباد والبلاد، بما في ذلك الأمن والاقتصاد، ومن ثم دفع أكبر دولة عربية إلى حافة الدولة الفاشلة.
ولعل العامل الأكثر أهمية وراء هذه الخسارة المركّبة؛ في الصورة والمكانة والسمعة، كان هو حالة الإنكار التي تلبست قادة الإخوان المسلمين وهم يشخصون الوضع المثخن بمصاعب قديمة، ويلقون باللوم على الفلول والدولة العميقة، ويدفعون بكل سبب وراء إخفاقاتهم المروعة، بما في ذلك المؤامرة الخارجية، حتى بعد أن علت الهتافات ضدهم في الساحات، وصعدت الشكوى من كل فجّ عميق، بدون أن يحملهم كل هذا وذاك على إجراء المراجعة، وإعادة النظر في المرآة بشجاعة، ولوم النفس قبل لوم الآخرين، والظهور بمظهر الضحية الأبدية.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأهتمام بالدين لا على سمعة مصر (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 5 تموز / يوليو 2013.
    انا اعترف ان كل هذه النجاحات تمت بعزيمة الشعب المصري البطل . وقصر نظر حكومة الأخوان . والكسب السريع الذين كانوا يسعون اليه باقصر الطرق . وللسيطرة على كل مؤسسات الدولة . وتوزيع الأخوان على كل الوظائف الحساسة .أنهم دينون لآبعد الحدود .وركزوا اهتماماتهم على الدين . وأهملوا شؤون الدولة الداخلية
  • »الغش لا ينجح وينال (ابو مجدي الطعامنه)

    الجمعة 5 تموز / يوليو 2013.
    إنها نزعة الإستئثار والإحتكار الإديولوجي والسياسي ، الذي كان اهم واولى أولياتهم ، وهي شهوة الحكم التي راودتهم طيلة اكثر من سبعين عاماً وهم يعملون تحت الأرض ، وفي المنافي والسجون . هذه الشهوة التي صيرت نظرتهم لما وصلوا اليه ، وكأنها هبة إلاهية موعودة وتحقق هذا الوعد، لهذا اصبحت السلطة عندهم بلا قيمة او جدوى ما دامت آلت اليهم من فراغ وبلا عناء ، هذه النرجسية المتعالية نبتت في اقل من عام ، وطغت بل ابطلت وعطلت طموح ونشاطات الغير وكل الأطراف الوطنية ، والأشد خطراً انها شجعت اتباعها وشحنتهم كي يأكلوا الآخرين وعندما تم لهم ذلك بدأوا يأكلون بعضهم بعضاً .
    إنكفاء الإخوة المسلمين على انفسهم ، ومحاولتهم عزل الآخرين ، مثلت للمصرين حقيقة أن هؤلاء الحكام الجدد اسوأ مما افرزتها دكتاتورية المخلوعين .
    ولهذا لم يتيسر لهم الإستمرار لأن الوطن كرمز والشعب كمشاركين ، لم يكن يعنيهم كثيراً بقدر ما كانت عنايتهم تنصب على حزبهم ، هان عندهم الوطن وشعبه وكان الإختيار عسير ولم يكن ثمة من مجال للغش ان ينجح وينال .
  • »البريء مدانا،، والشجاع جبانا،، والحليم حيرانا (عبدالله العثامنه)

    الجمعة 5 تموز / يوليو 2013.
    لطالما كتبت تعليقات عن الفوضى الخلّاقه حتى مللت وملّ كتّاب المقالات مني...وها أناذا اكتب عنها ،،أيش اكتب عن الفوضى الخلاقه؟؟!! يخطيء من يظن ان ما حدث في مصر لن يلخبط الأوراق في عالمنا العربي والأسلامي لخبطة عجيبه تذهل الألباب وتجعل الحليم حيرانا .
  • »الخطأ القاتل ، ونقطة ضعف الرئيس مرسي وأعوانه. (أبو أنيس القروي)

    الجمعة 5 تموز / يوليو 2013.
    حين يتم تغطية هذه المؤامرة التي حدثت في مصر العروبة من خلال ضخ مليارات الدولارات ، ومن خلال جهود مخابرات دولية وإقليمية تم التفرغ لها لحياكة هذه المؤامرة منذ عام ، فلا يمكن الوقوف أمام هذه المؤامرة القذرة نتيجة انشغال الرئيس محمد مرسي إصلاح (30) سنة فساد من حكم الرئيس المخلوع .... إن نقطة الضعف ، والخطأ القاتل الذي لا يغتفر ، والذي ارتكبه الرئيس مرسي وأعوانه يعود إلى افتقادهم الشجاعة والجرأة ، والتردد بكنس وتنظيف مصر من الفلول والفاسدين والمفسدين ، رغم أعدادهم الكبيرة ، والتي قد لا تحصى.