علاء الدين أبو زينة

فرصة فلسطينية.. اغتنموها!

تم نشره في الخميس 4 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً

الحالة الفلسطينية اليوم مثل بيت مُغلق غامض، في داخله حركة وجلَبةٌ غير مفهومتين بلا شكّ، لكنه يشفّ من الخارج عن مَوات واستقرار مضجر. هذه صنيعة "عملية السلام" التي اصطادت قضيّة فلسطين في حلقة شرسة من التبطُّل المقنّع. ويحاول الكلّ الظهور منكبّين على العمل بدأب النمل ونشاط النحل، وإنّما هم مثل الطفل المشتغل بقطع "الليغو"، يبني بيوتاً ويهدمها، ويركب أخرى ويفككها، ولا شيء!
في مثل هذه الأوضاع التي تغّيب الفلسطينيين عن الاهتمام العالمي، يعود الانتباه إليهم عادة بأحد أمرين: إمّا التعرض لعدوان كبير جديد مميت، مثل الحملات الإجرامية على الضفة وغزة ولبنان؛ أو أن ينتفضوا، فيكثر فيهم الاعتقال والتقتيل وتكسير الأطراف، ويحزن العالم على صورهم في الإعلام ويطالب بحل. وفي الحقيقة، يطرح المراقبون الآن خيار انتفاضة فلسطينية ثالثة، كمخرج أخير من الطريق المغلقة والسكون القاتل. وأحياناً، نسمع أيضاً عن خطط العدو لشن عدوان جديد على غزة المحاصرة. وهناك، طبعاً، نفس البديل الأميركي والعربي الرسمي لكسر الجمود، باقتراح المزيد من الجمود: "استئناف عملية السلام". ولو طلب الفلسطينيون نجماً هادياً يدلهم على الطريق، فلا أوضح منه: انظروا ما النصائح الأميركية والعربية الرسمية، وافعلوا عكسها بالضبط، علكم تفلحون، فما سبق أن جاءتكم نصائحهم بخير.
ثمة نصيحة أخرى الآن، قمينةٌ بالتأمل الجدي، لأنّها تذهب في عكس نصائح هؤلاء، تقدمها جهة دوليّة تعرضُ شكلاً مبشّراً من الإخلاص لقضية الإنسانية: محكمة الجرائم الدولية. وسيكون من شأن اتباع هذه المشورة إلقاء حجر في البركة الآسنة، وبلبلة العدو، ووضع فلسطين تحت الضوء. وقد لفتني ما ذكره الباحث الأميركي فرانكلين لامب مؤخراً، من أن نائب المدعي العام الجديد لمحكمة الجرائم الدولية، السيدة الغامبية فاتو بوم بنسودا، دعت الفلسطينيين بحماس يوم 27 حزيران (يونيو) الماضي للانضمام إلى نظام روما والمحكمة الجنائية الدولية. وقالت بنسودا إن مكتبها يعتقد بأن فلسطين مؤهلة للانضمام إلى المحكمة بعد قبولها دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة.
ويُستشَفّ بيسر من توجهات بنسودا وفريقها، أنّهم يبحثون عن قضايا يشغّلون بها المحكمة، في نوبة حماس نرجو أن تدوم. وقد بادرت بنسودا ففكّرت باهتمام في الفلسطينيين، وحثتهم بإخلاص على طَرْق باب محكمتها بينما تدرس وتحضر للقضايا التي يُحتمل أن تقدم للمحكمة، ووجدت في قضيتهم الكثير، بل وربما كل شروط الجرائم المستمرة ضد الإنسانية، بدءاً من تشريدهم الكبير في العام 1948، وكل يوم حتى هذا التاريخ. رائع! لماذا لا تعطون أيها الفلسطينيون عملاً للسيدة بنسودا وفريقها، فتفيدون وتستفيدون، وتضعون قضيتكم ثانية تحت بعض الضوء؟!
السلطة! سوف يغضبُ الأميركيون والعرب الغيورون على فلسطين إذا اشتكى الفلسطينيون للمحكمة، لأنّ ذلك سيُغضب الإسرائيليين، فينقلبون على "عملية السلام". سوف تُحرم "السلطة الفلسطينية" من المساعدات الأميركية، ووعود كيري الفلسطينيين بالخير الاقتصادي العميم، ومن "الدولة". وقد هدد الكونغرس وحكومة الكيان دائماً بوقف "الدعم" المالي للفلسطينيين إذا فعلوا أيّ شيء يخدم فلسطين. وحسب فرانكلين لامب، فقد انهالت التهديدات على السلطة الشهر الماضي، من كيري وبلير، ومعها "نصائح" العرب الغيورين، حتى لا يغامر الفلسطينيون بانقطاع نهر الخيرات إذا مضوا في طريق عضوية محكمة الجرائم الدولية. فلينقطع! حبذا لو يحتفظ الكونغرس والاحتلال بنقودهم، فتتحرّر الإرادة الفلسطينية وتتخلص من هذه الإعالة المكلفة جداً! وليتَ الكيان يُجبر ثانية على طلب مساعدات الكونغرس ليدفع كلفة احتلاله للفلسطينيين، ويعفينا نحنُ من ذلّ السؤال!
ينبغي أن تتعلّم "السلطة" من سقطة تعطيل وصول تقرير غولدستون عن غزة إلى العدالة الدولية. ولو أوصلته، لما كانت تقامر بخسران "الدولة"، وإنما بما تخافه بالضبط: أن لا تعود "سلطة". وطبعاً، كان سيتوقف بدل أتعاب القيادة الفلسطينية، وطبعاً رواتب جزء من الفلسطينيين: قوات الأمن التي تحمي نوم الاحتلال. لكن تفويت تلك الفرصة للنيل من مجرمي العدو لم ينفع الفلسطينيين بشيء، كما تبيّن. لم يكن الفلسطينيون -أعني الفلسطينيين- ميتين جوعاً قبل مكافأة الكونغرس قيادتهم على القبول بفخ أوسلو، ولم يغتنوا بعدها. الآن، تعرض المحكمة الدولية على الفلسطينيين فرصة لبعض العدالة وإغاظة العدو معاً، وستجرم "السلطة" إذا لم تغتنمها!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »استعراض عضلات من ورق. (ابو أنيس القروي)

    الخميس 4 تموز / يوليو 2013.
    ما يتم التصريح به عبر وسائل الإعلام بين حين وحين ، من قبل كثير من الزعامات العربية ، بما في ذلك تصريحات عباس ، أو زمرته في رام الله أمور بعيدة عن الواقع ، يتم استخدامها لغرض التمويه ، ومحاولة فاشلة لقلب الكثير من الحقائق عن شعب يدركه عباس جيدا ، ولا يستطيع من تجاهله .... حيث من المستحيل أن يتم تنفيذ تلك التهديدات الجوفاء .... فلا يستطيع عباس ولا غيره أن يهدد واشنطن أو تل أبيب ، ولا أن يتوعد .... والسبب أن عباس لا يمتلك ورقة المقاومة التي أسقطها منذ زمن طويل .... وان درس عرفات سيبقى راسخ في الأذهان ، درس لا ولم ولن ينسى.... بل من المؤكد أن واشنطن وتل أبيب تدرك تمام الإدراك كيف يمكن التعامل مع عباس وزمرته ، وكما هو الحال عند التعامل مع باقي الأنظمة.