إبراهيم غرايبة

الهندسة الاجتماعية والاتجاهات الثقافية

تم نشره في الاثنين 24 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً

ثمة صوت قوي ومنتشر في نقد اتجاهات المجتمع نحو الترفيه والرياضة، والحماس الشعبي والاجتماعي للتشجيع والانفعال مع المباريات الرياضية والمسابقات الفنية. ولكن، لا يوجد في الوقت نفسه حضور مؤثر ومشاركة فاعلة في الحياة الثقافية والفنية والفكرية الأكثر تقدما وإبداعا، ولا يلاحظ لأصحاب الصوت القوي في النقد الاجتماعي والثقافي مشاركة ثقافية وفنية! ويبدو لي أن هذه هي المشكلة، وليست هي الاتجاه الغالب في المجتمع نحو الرياضة والترفيه؛ فهذه هي طبيعة المجتمعات والثقافات في التاريخ والجغرافيا، الغنية منها والفقيرة، والمتقدمة والنامية والأقل نموا.. ولا ملامة على الناس بمختلف أعمارهم ومستوياتهم التعليمية وانتماءاتهم الاجتماعية والاقتصادية، أن يتابعوا المباريات والبرامج التلفزيونية الترفيهية، وأن يشجعوا الفرق والأندية، ويستمعوا بشغف إلى الأغاني والموسيقى الجديدة والشبابية.
المشكلة الكبرى والكارثية في مجتمعاتنا هي غياب النخبة الثقافية والاجتماعية، أو عدم وجود فئة اجتماعية وثقافية يجب ألا تقل عن خُمس المجتمع؛ تتابع وتشارك على نحو فاعل ومؤثر في الحركة الفكرية والثقافية والفنية المحلية والعالمية، وتنشئ أسواقا ومؤسسات وبرامج ومشاركات وفضاءات للثقافة والفكر والفنون والموسيقى والمسرح.. وتجتذب باستمرار الأجيال والشباب، وجميع الفئات الراغبة والمهتمة بالثقافة والفنون الراقية والمتقدمة، وتقدم أيضا نموذجا إضافيا وفاعلا للثقافة والفنون الشعبية. وأقصد بالشعبية تلك التي تتجه إليها غالبية الناس، بغض النظر عن كونها تنتمي إلى الثقافة الأصيلة أو وفدت عليها.
أعتقد أن التوزيع المناسب والمثالي للاتجاهات الثقافية يتمثل في وجود خمس فئات اجتماعية، موزعة بالتساوي تقريبا في العدد بين المجتمع، وإن يجب أن تكون متباينة في العمر: فئة من المجتمع يتابع أفرادها ويشاركون في الثقافة والفنون والفكر في محتواه واتجاهه الراقي والكلاسيكي؛ في الفلسفة والأدب والفنون والموسيقى والمسرح والآداب. ويغلب على هذه الفئة الاشتغال الكبير، وبعضها التفرغ، في الشأن الثقافي والفكري والفني. ويجب أن يكون نصفها على الأقل تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عاما، وربعهم أقل من 25 عاما، وربعهم فوق الأربعين. هذا التوزيع في العمر يضمن قدرة  الثقافة الرائدة على الاستيعاب والتجديد.
والفئة الثانية تغلب عليها المشاركة والخبرة في الاتجاه الراقي والجاد، ولكن يجب أن يكون لها أيضا اهتمام ومتابعة للحراك الثقافي الشعبي والشبابي، بنسبة لا تقل عن 20 %. هذا التداخل يضمن تطوير الاتجاه الشعبي وترقيته، ويضمن أيضا حيوية الاتجاه التقليدي والقيادي، وقدرته على الإحاطة والتجدد، ويجب أن يكون نصف هذه الفئة بين 25 و40 عاما، وربعها يزيد على 40 عاما، وربعها من الفئة بين 18 و25 عاما.
أما الفئة الثالثة من المواطنين، فتتوزع مشاركتهم وخبراتهم مناصفة بين الاتجاه الترفيهي والشبابي وبين الاتجاه القيادي والإبداعي والكلاسيكي. ويكون توزيعها العمري: ثلثاها من الفئة 18-26 عاماً، وثلثها من الفئة 25-40 عاما.
والفئة الرابعة تغلب عليها بنسبة تراوح بين 50-75 % النزعة الترفيهية والجماهيرية في السياسة والفنون والثقافة والرياضة، ويجب ألا تزيد الفئة العمرية بين 25-40 عاما عن 10 %.
أما الفئة الخامسة، فيستغرقها الحماس والمشاركة الشعبية والجماهيرية. ولا بأس في ذلك، لكن بشرط ألا يكون من بين هذه الفئة أحد يزيد عمره على 25 عاما. فليس عيبا الحماس المندفع للشباب نحو اتجاهات فنية وثقافية وسياسية وفكرية، ولكن يحدث التشوه الفكري والنفسي عندما يواصل الإنسان هذه الطريقة في التفكير والحياة بعد التخرج من الجامعة أو ما يعادلها في السنّ.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق