فريهان سطعان الحسن

أنا أنتقد.. إذن أنا موجود!

تم نشره في الاثنين 10 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً

"جميل ولكن.."، "متعلم ولكن.."، "متحدث ولكن.."، "مبدع ولكن.."، "مثقف ولكن.."، "محترم ولكن.."، "مناسب ولكن.."!
تلك بعض عبارات الإشادة التي يجمعها "الاستدراك!" على ذلك بكلمة: "ولكن"! يتفنن كثيرون في إلقائها، لكأنما الأصل هو الانتقاص من قيمة أي شيء يقال أو يطرح أمامهم! ولا يكاد يبدو من سبب لهذا الندم عن قول جميل إلا حب هؤلاء للانتقاد؛ فتلك هي هوايتهم المفضلة!
هكذا، فإن كثيرين من هواة الانتقاد، والذي وجهه الآخر هو الادعاء الزائف بالكمال، إنما يكشفون عن قلة فهم، وإلا فهي نزعة تسكن دواخلهم للاعتراض فقط من أجل الاختلاف، وكأن لا شيء يعجبهم او يثير اهتمامهم!
وهكذا أيضاً، يتخندق هؤلاء خلف تصرفاتهم السلبية، فلا يتقبلون النقد أبداً مصرين أنهم على صواب دائما، وهم الأفضل باستمرار، فيما يتلذذون في توجيه سهام النقد لغيرهم، ولكل ما حولهم.. من غير وجود مبرر حقيقي لمواقفهم.
عند طرح أي موضوع على طاولة النقاش، يبادر هؤلاء "المنتقدون" للترصد بانتظار موقف يمكنهم من إبداء رأيهم المخالف بالضرورة، حتى وإن كان هذا الموضوع لا يمسهم من قريب أو بعيد، أو حتى لا يفقهون فيه شيئا.
متعة هؤلاء هي في استفزاز غيرهم، وسلب طاقاتهم الإيجابية، بدون تقديم أي فائدة أو معرفة جديدة. فهم يعزفون على وتر عدم الإعجاب بالطرح أو الشخص الذي يقدم رؤية أوفكرة، وكأنما الغاية هي قتل الأفكار الجديدة، كبيرة كانت أم صغيرة.
هؤلاء الثرثارون، وهم كثر في مجتمعاتنا، يريدون فقط تسجيل حضورهم؛ يريد أحدهم مجرد القول "أنا هنا"، وإن كان ذلك لا يعني أحدا، وكان الهدف الأسمى محوره نقاش إيجابي مترابط يثري العقل والروح والقلب، ويتقبل بالتالي النقد الإيجابي الذي يأتي في مكانه الصحيح.
هؤلاء أيضا من يطرحون تجارب لا نعرف إن اختبروها فعلا، أو أنهم نسجوها من وحي خيالاتهم، طالما أن غايتهم ليسا إلا تعظيم الذات! وفي سبيل ذلك، يحاولون دائما الهيمنة على أجواء الحوار، ويصادرون حق الآخرين في التعبير عن آرائهم بموضوعية.
والحقيقة أن علم "علماء الانتقاد" ليس إلا "خالف تعرف"، فهل تستقى معرفة من هكذا "علم"، وهل يبنى عليه رأي؟!
إذا كان المنتقدون لمجرد الانتقاد يظنون أنهم بذلك يتميزون، أو يوهمون غيرهم بأنهم في مصاف المتفوقين والعارفين في كل شيء، إلا أنهم في الحقيقة يكشفون كم ينقصهم الكثير، علماً وثقة بأنفسهم وبمن حولهم، إذ لا يملكون القدرة على رؤية سوى النصف الفارغ من الكأس.
ولهؤلاء دعوة مخلصة إلى الصمت؛ فكما أن السمكة التي تبقي فمها مغلقا لا يصيدها أحد، فإن المعرفين ذواتهم ووجودهم بمعيار "أنا أنتقد.. إذن أنا موجود"، إنما يسلمون أنفسهم لشبكة أمثالهم من الصيادين، أو لنبذ المتصالحين مع أنفسهم وأقرانهم، الساعين إلى حوار حقيقي إيجابي.

f.alhassan@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأمراض الأجتماعية (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 10 حزيران / يونيو 2013.
    اوافق ما ذكرته الاستاذة المعلقة بامتياز وفاء دعمس . وأنا اشكرك يا اديبتنا الشابه على هذا المقال الاجتماعي الذي يدل على سلوكيات وشخصية المنتقد . في علم النفس . هنالك مرض اجتماعي بذات الخصائص المنفرة . يسمى الأسقاطية . وهو عندما يتحدث الشخص الأخر . ويهاجم الأخرين عن سلوكياتهم غير الصحيحة الموجوده فيه . وينهال عليهم بالتهم والذين هم براءة منها .هذه الصفات تكون في الشخص نفسه .فيحاول جاهدا أن ينسبها لغيره. هذه امراض اجتماعية كانت معنا على زمن الأندلس . واستمرت معنا كالجشع والتفرقة والأصراف الطائش والكراهية والغيرة والمكر والخداع والفساد
  • »مرض العظمه (زكي العبايله)

    الاثنين 10 حزيران / يونيو 2013.
    شكرا" استاذه فريهان على هذا المقال الرائع ..هؤلاء الاشخاص مثل الديك الذي يعتقد ان الصبح لن يبتلج والشمس لن تشرق الا اذا رفع عقيرتة بالصراخ هؤلاء لا يحبون ان يحاوروا الا انفسهم فقط انهم مصابون بمرض العظمه وحب الذات
  • »التفكير الناقد (wafaa dames)

    الأحد 9 حزيران / يونيو 2013.
    أسعد الله أوقاتك كاتبتنا العزيزة اشتقنا لمقالتك وليوم الاثنين المرتبط بها .
    أشكرك على هذا المقال الشخصية التي تحدثتي عنها هنا تشبه كثيرا شخصية "ابو العريف "الأنسان الذي يسيطر على الحديث في المجموعة وانه يلم بكل المعلومات والثقافة ينتقد فقط ليقول انا موجود ولا يعجبه شيء.
    أستاذة فريهان النقد مهم جدا في حياتنا والتفكير الناقد يجب ان نعلمه للأطفال من عمر صغير حتى يمحص ويحلل المعلومات التي تأتي له ولآ يقبلها بكل سهولة فنقد نوع من التفكير الذكي ولكن بحدود وليس لدرجة ان تصل لكل شيء يتم أنتقاده .
    النقد اذا كان بمكانه يكون "بناء وايجابي "لأنه يتم تقديم معلومات جديدة فيه اما اذ لم يكن بمكانه فهو لآ داعي له وسيكون رأيه زيادة بدون اي فائدة . ربما أن الكثير من الاشخاص لم يعتادوا على الانتقاد فهم فقط يريدون من يكون معه ويوافقهم الرأي لأن المخالفة بالرأي تجعل صورة الذات مهزوزة ولو فعلا كان هذا الشخص واثق من رأيه أفكاره سلوكاته ومظهره ككل لآ يعنيه الأنتقاد مهما كان بالعكس يتقبله وهو حر بلأختيار بين قبوله أو رفضه .انا ارى ان الأنتقاد شي مهم في الحياة حتى يقوم الانسان بمراجعة الامور التي قدمها ويتمحص الامر من جديد يدرس الذي تم عرضه بطريقه مختلفة ..اتكلم هنا تحديدا عن التفكير الناقد وليس عن "الشخصية الناقدة "التي يكون النقد سمة من سماتها فهي مزعجة لمن حولها .