عيسى الشعيبي

إذا زلزلت الأرض زلزالها

تم نشره في الجمعة 19 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً

في زمن ثورة المعرفة والفضاءات المفتوحة، بدا كل من التفجير الإرهابي في بوسطن الأميركية، والزلزال الذي ضرب شرق إيران، وبلغت ارتداداته المتفاوتة على طول المسافة الممتدة من الهند إلى دول الخليج، وكأنهما حدثان محليان تزامنا معاً على خشبة مسرح واحد، يشمل سائر أنحاء الكرة الأرضية؛ وذلك لكثافة التغطيات الإعلامية، وشدة تنافس المحطات الإخبارية على نقل المشاهد واجتذاب المعلّقين، وبث ردود الأفعال من جانب المسؤولين والخبراء والمواطنين.
لقد كانت السرعة القياسية في نقل الصور الحية من عين المكان، خصوصاً من بوسطن، ناهيك عن بث مشاهد الهلع الذي دب في أوصال سكان الأبراج الشاهقة في الخليج، إحدى تجليات عصر العولمة التي ما كان لها أن تحقق ذاتها على هذا النحو، بغير هذا التقدم التكنولوجي الهائل على صعيد الإعلام، وكل هذا الاستثمار الواسع في هذا الحقل الذي تنمو فيه كل يوم قناة فضائية جديدة، بإمكانات تمويلية قادرة على اقتطاع حصة لها من كعكة المتلقين وميزانيات المعلنين، ناهيك عن المساهمة في صنع الرأي العام.
وفيما توارت الصور، أو تضاءلت من مركز الزلزال في إيران، وكانت باهتة الحضور من باكستان والهند، فقد كانت قوية وكثيرة التفاصيل من دولة مثل الإمارات العربية المتحدة، بفضل وجود محطات بث فضائي خاصة، نزل مذيعوها إلى الشارع تحت تأثير مشاعر الخوف من آثار الهزة الأرضية، وراحوا ينقلون الصور، ويبثون المقابلات المرتجلة، ويستطلعون الهواجس التي استبدّت بالناس، لاسيما قاطنو الأبراج، في مشهد عام أثار عواطف التضامن عن بعد بعيد مع هؤلاء المصدومين من ارتدادات الزلزال.
في المقلب الآخر من الكرة الأرضية، كانت كثافة التغطية الإعلامية لواقعة تفجير خط نهاية ماراثون بوسطن السنوي، أكثر جزالة، وأطول مدى، وأعمق إثارة لسائر التوقعات، لاسيما إزاء هوية الجهة المنفذة وغاياتها؛ إذ بعث الأمر كوابيس الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 من جديد، وطرح التساؤلات المقلقة لدى العرب والمسلمين، ليس فقط داخل أميركا، وأنما كذلك خارجها، خشية أن يكون أحد أبناء جلدتنا، من ذوي الملامح الشرق أوسطية، قد تورط في مثل هذا العمل الإرهابي المدان.
وهكذا، بدت المشاهد المنقولة من كلا المكانين في البلدين المتباعدين، وكأن الأرض في جانب منها قد زُلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها، أو ما يسمى علمياً تفريغ الطاقة الكامنة في جوفها؛ فيما بدا ساكن هذه الأرض في الجهة الأخرى كمن مسه شيء من الجنون المطبق، حين ظهر عدّاؤو الماراثون يدورون حول أنفسهم، ويهرعون في كل الاتجاهات، وهم يستعيدون مع كل المشاهدين ذاكرة البرجين التوأمين في نيويورك قبل اثني عشر عاماً، ويتساءلون تحت أشد مشاعر الذعر: ما الذي يحدث بحق السماء؟ بدون أن يعثروا إلى اليوم على جواب.
بكلام آخر، فإنه إذا كانت الزلازل عملاً من أعمال الطبيعة الغاضبة علينا، ومظهراً من مظاهر احتقانها السرمدي الغامض، فإن الأفعال الإرهابية هي من صنيعة الإنسان، أو قل من لدن وارث هذه الأرض وما عليها. وهما أمران مستقلان، وليس بينهما من عنصر مشترك سوى هذا التزامن العفوي بين الواقعتين في أقليم بلوشستان وولاية ماساتشوستس. وبالتالي، فإنه إذا لم يكن في وسعنا لوم أمنا الأرض على تقلباتها المفاجئة، فإن في وسعنا التنديد بالإرهاب وتأثيم مرتكبيه مهما كانت الذرائع لديهم.
وإذا لم يكن في مستطاع الدول والحكومات والخبراء التنبؤ بالزلازل سلفاً، أو التحوط إزاءها من قبل، فإن في وسع هؤلاء جميعاً العمل سوية ضد الإرهاب بكل أشكاله، والقصاص ممن يقارفون جريمة أخذ الأبرياء بجريرة مواقف بلادهم. هذا ناهيك عن إبداء أعمق مشاعر التضامن من قادة الرأي العام مع الضحايا أياً كانت هوياتهم وأعراقهم وأديانهم، خصوصاً أن تلك الارتكابات الحمقاء بدت وكأنها ارتدادات زلزالية عالية الدرجة على مقياس "ريختر"، ألقت في كل مرة مضاعفاتها الفادحة على الشعوب التي قد ينتسب إليها هؤلاء الذين لا يتورعون، وهم يزعمون أنهم في طريقهم إلى الجنة، عن أخذنا جميعاً إلى النار.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق