هاني البدري

ملح الرجال

تم نشره في الخميس 18 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً

حكاية الوزير الفرنسي الذي استقال بسبب إخفائه أرصدة له في أحد بنوك سويسرا، فتحت شهيتي لأقرأ في خطوط التماس الملتبسة بين المسؤولين وشخصيات الخدمة العامة والمواطن.
وزير المالية الفرنسي استقال بسبب كذبة، حول وجود أرصدة له في الخارج، ليس بسبب الأرصدة نفسها، ولا بسبب التهرب الضريبي، ولم يأبه الرئيس هولاند ولا حزبه ولا نظامة الاشتراكي بحجم الهزة التي يمكن أن تضرب معاقل الحزب والنظام، لكنه حرص على أن لا تبقى شُبهة (الكذب) إحدى سمات النظام الذي يخوض حرباً شرسة في الانتخابات البلدية ومن ثم الرئاسية المقبلة.
كذب الوزير (كابر)، ثم اعترف واعتذر للشعب الفرنسي وغادر، قصة موجزة وبسيطة ومشوقة، لكنها تعكس حال من يعملون في السياسية في دول لا تحتمل حتى كذبة بيضاء على مواطنيها.
قصة الوزير ليست الأولى ولعلها لن تكون الأخيرة في عالم تتداخل فيه المصالح وتتزاوج السياسية بالمال، لكن النظام يكون كفيلاً دوماً بكشفها طالما أنها طالت عقل المواطن.
في فرنسا استقال عشرات المسؤولين بسبب الكشف عن كذب مارسوه على جمهور الفرنسيين، لم يكن آخرهم جورج ترون الذي نفى واقعة التحرش الجنسي ثم اعترف واعتذر وغادر، مثل من قبله ومن بعده.
وفي بريطانيا سجلت الأعوام القليلة الماضية جملة استقالات ارتبطت كلها بكذبة ومكابرة، أتذكرون وزير الطاقة كريس هون الذي كذب في (ضلوعه) بمخالفة مرورية، ثم اعترف واستقال، ووزير الأحزاب أندرو ميتشل بسبب صراخه على ضابط شرطة، وقتها نفى الواقعة، ثم اعترف وغادر.
السياسيون في الغرب يكذبون مثلنا، لكنهم يعرفون الاعتذار فيما ملايين القابعين شرقاً وجنوباً يبحثون عمن يعتذر لهم عن ظلم أتى عليهم بسبب كذبة أو على أعمارهم التي أفنيت وراحت هدراً من أجل كذبة، لكن الاعتذار لا يأتي أبداً.
في التاريخ السياسي فسر علماء النفس وأطباء نفسيون اطلعوا على الحياة الخاصة لزعماء وسياسيين ظاهرة (الاعتذار الذي ليس اعتذارا)، الذي يتسم بصياغة على نمط "اعتذار إن كان هناك خطأ أو إساءة"، فسروها بأنها اعتذار بدون ندم، لكنه آسف على الأذى الذي لحق بأشخاص أو مجموعة بسبب الكذبة أو الخطأ.
هذا هو المطلوب، والا فما يهم المواطن الأميركي من ندم كلينتون على كذبة العلاقة مع مونيكا لونيسكي إلا بقدر الاستخفاف التي تسببت فيه الكذبة في عقول الناس، تماماً كما اعتذر نيكسون عن كذبة وواترغيت التي آذت المواطن الأميركي في كبريائه.
آلاف المسؤولين الغربيين والآسيويين غادروا مواقعهم محفوفين (بزفة) الكاذب بدون أن تنهار الأنظمة التي عملوا بها، بل مثلت كل قصة لمسؤول كَذب وغادر، حكاية تُدرس، في شفافية المجتمع وتعافيه، للأجيال المقبلة وقصة تُروى من باب التباهي والاعتزاز بقدرات المجتمع على لفظ المسؤول الذي يكذب مهما كان موقعه.
cut، ينتقل المشهد بعيداً الى حيث ننتظر اعتذارا.
كم من مسؤول حكومي عربي غادر بسبب كذبة، أو حتى اعتذر وظل في مكانه، وكم من وزير أو رئيس حكومة (أكل في عقولنا حلاوة) على حد التعبير المصري.
كم كذبة في الساعة، يمكن للمواطن العربي أن يتحمل ويسكت ويبلع، ولا يقوى حتى على المجادلة أو التشكيك، وكم تصريح كاذب لناطق رسمي أو وزير إعلام أو خطاب مهيب لمسؤول أو تصريح تلفزيوني لوزير، يستطيع المواطن أن يحتمل.
المشكله أن الكذب، لم يعد في علاقة المواطن العربي بحكومته ومسؤوليه خطيئة سياسية، بل إن أبعد توصيفاتها، التباس في الفهم، إذا ما انكشف المستور، وكفى الله المسؤولين شر الاستقالة، والمشكلة أننا بدأنا بتلذذ الكذب، ليس لأنه ملح الرجال كما يعترف مسؤولون كبار بفخر لافت، ولكن لاننا نسينا طعم الصدق والمصارحة، فأدمنا الطعم ورحنا نُلبسه مسميات "الشطارة والذكاء والحذاقة والقدرة على المناورة والتلون"، فأضحت تلك سمات المسؤول المتمكن.
لم ننتبه بعد، إننا أُشبعنا ملحاً وخلاً بسبب من منحناهم العصمة والحصانة، فأصبح كذبهم ديدننا وحلاوة مجالسنا والحكايات التي نتندر بها قبل النوم.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجزائر و فرنسا و النفاق (الحكيم)

    الخميس 18 نيسان / أبريل 2013.
    يتشدقون بالديمقراطية في مسائل بسيطة و يرفضون الاعتذار و تحمل المسؤلية لما سببوه للجزائر و الجزائريين من قتل و دمار و اضطهاد على مدى 132 عام من الاستعمار.. هذا هو النفاق الغربي
  • »ملح الرجال (جهاد)

    الخميس 18 نيسان / أبريل 2013.
    الكذب ملح الرجال لان الملح في الطبخ قليل اما عندنا فاصبح الملح زاد الرجال
  • »الاختلاف في التفكير و ليس في الكذبه (احمد علي)

    الخميس 18 نيسان / أبريل 2013.
    الوزراء في الغرب و أوروبا يفكرون في ما هو اكبر من الكذبه و أعظم
    العرب عندنا تفكيرهم من يأتي أسمهو قبل ألاخر في الترتيب الوزاري للحكومه
    عندما كان أودلف هتلر جندي و يقف على أحد أبواب قاعده عسكريه مر من امامه ضابط و لم يؤدي هتلر له التحيه
    فسأله الضابط : لماذا لم تؤدي لي التحيه
    فكان رد هتلر
    أنا أفكر بأحتلال العالم و أنت تفكر بالتحيه ..
    الغربي عندما يتم أكتشاف انه يكذب يعلم أنه خسر ثقة الغير فينسحب بكل احترام وهذا بيت القصيد
  • »ديمقراطية بعيدة المنال (أبو أنيس القروي)

    الخميس 18 نيسان / أبريل 2013.
    قد يحتاج الوزراء العرب إلى مئات السنين كي يلحقوا أو يصلوا لذلك النوع من الديمقراطية التي تعيشها ، وتحسد عليها كثير من المجتمعات الغربية ، سواء في أوروبا ، أو في الولايات المتحدة ، وغيرها من دول العالم ..... فالفاسدون في عالمنا العربي لا يخجلون من أنفسهم ، كي يختفوا عن الأنظار ، وخاصة حين تجد أن الفساد موجود في كثير من زوايا وأركان مجتمعاتنا العربية ، نحن معشر العرب.
  • »وماذا كنا نفعل من قبل فى 1 نيسان من كل عام؟ (د. هانى عبد الحميد)

    الخميس 18 نيسان / أبريل 2013.
    يقول بعض الظرفاء يجب تحوبل الحدث السنوى المثير الى عكس مدلوله تماما لعلنا نجد الصدق فى ذلك اليوم من سنة مفعمة بالاحداث والاكاذيب لدرجة التضليل حتى انك اذا اردت ان تقترب من الحقيقة فى بعض الاحيان فما عليك الا اخذ المدلول المعاكس 180 درجة لتقترب من حقيقة ما يجرى ولتكون في بر الامان والأصل دينيا انه لا يجوز الكذب الا فى حالتين لا ثالث لهما: اصلاح ذات البين للأهمية وخداع العدو فى الحرب (الحرب خدعة) اما تعاليم الرسول(ص) فتقول اذا كان معكم كاذب ارجعوا لانه يجعل الابيض اسود والاسود ابيض وما لم يحصل حصل وما حصل لم يحصل مما يمكن ان يودى بجيش بأكمله الى التهلكة من الامثلة المشهورة حبل الكذب قصير واذا كان فى الكذب نجاة فبالصدق الف ومن أسوأ انواع الكذب الاسود الذى دأب البعض قديما على ممارسته فى نشر الاخبار الشخصية اللئيمة والمروعة بشكل مفاجىء مما يمكن ان تودى بمتلقيها الى المشافى. والاصل هو ان الانسان بنى على الفطرة والصدق من اهم مميزاتها زكذلك فان الحضارات الحديثة تربي اجيالها على الصدق منذ نعومة الاظفار ونحن الاجدر فى هذا المضمار كون نبينا(ص)الصادق الامين وكذلك جميع الرسل والنبيين الذين اختص البارى جل وعلا منطقتنا بهم هدى ورحمة للعالمين وطوبى للصادقين.