رنا الصبّاغ

مرسي وإخوانه في مواجهة سائر المصريين

تم نشره في الأربعاء 10 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً

القاهرة –  مصر تنزلق من سيئ إلى أسوأ؛ لا شيء يشي بنهاية سعيدة.
فالدولة تتجه إلى الانهيار اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وأمنيا، بعد عامين على الإطاحة بحسني مبارك، في ثورة طالبت بـ"عيش، حرية، كرامة، وعدالة اجتماعية".
الغضب الشعبي والسياسي والحزبي، ينصب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، القادم من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وحكومته "الرشيقة" برئاسة هشام قنديل ووزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، المحبوب في أوساط الجماعة ونائب المرشد العام خيرت الشاطر، الذي يعد اليوم رجل مصر الأقوى، ومهندس تجربة الإخوان في الحكم.
في مصر هذه الأيام لا ثناء أو مديح لتجربة مرسي والإخوان، إلا من "الإخوة والأخوات" المنتمين للجماعة، أو المنتسبين لذراعها السياسية؛ حزب الحرية والعدالة.
فالرئيس الذي قبع في زنازين مبارك، وجد نفسه في مواجهة مع الجميع.
الكل ضده؛ بدءا بالمعارضة التقليدية الفاعلة قبل الثورة وبعدها، مرورا بمن صوتوا لأحمد شفيق المحسوب على النظام السابق، والذي حصد  50 % من الأصوات، وصولا إلى النخب السياسية والاقتصادية والنقابيين المهنيين، وأخيرا رجل الشارع "الغلبان" المنغمس في معركة توفير لقمة العيش.
تحت الطاولة، تستعر حال من الشد مع المؤسسة العسكرية التي ترفض "أخونة الدولة" وانتشار الميليشيات المسلحة التي تعيث في الأرض خوفا ودمارا، وأيضا بين الرئاسة وجهاز المخابرات. علاقات مصر مع غالبية الدول العربية، باستثناء قطر، يغلّفها الجمود. والإدارة الأميركية غير راضية عن إرهاصات الفترة الانتقالية، لكنّها لن ترفع الغطاء عن مرسي بسبب تعقيدات الوضع الإقليمي، وخشيتها على أمن إسرائيل مع عدم توافر بديل داخلي مقنع.
لكن، في رأي الرئيس والجماعة، فإن الحق على الشيطان. فهم ما يزالون مسكونين بعقدة المؤامرة، كما حالهم خلال العقود الثمانية الماضية؛ مؤامرة يحيكها الأعداء، بينما يرفض الإخوان رؤية أخطائهم المتناسلة في إدارة الدولة وبناء توافق وطني.
فكل من ينتقد مرسي وتجربة الإخوان في الحكم إما عميل متآمر، أو من بقايا الفلول المؤتمرة من "الدولة العميقة" بهدف إفشال تجربة الإخوان في الحكم، أو من فئة الكافرين والحاقدين والأعداء المتربصين والأصابع الخارجية ومنفذي الأجندات المشبوهة.. والحبل على الجرار.
وتطغى حال من الإنكار على الرئيس، والمرشد العام ونائبه، حال غالبية كوادر مكتب الإرشاد في منطقة المقطم. فتصريحاتهم العلنية، ومواقفهم الرسمية، لا تدل على أنهم مستعدون لبدء مراجعة مع الذات، بعد أن تكشّف ما كان داخل "صندوق الإخوان السري" الذي أخرج كوادر داخل وخارج الحكومة تفتقر إلى الكفاءة والخبرة، وإن كانت تمتلك قدرة التواصل مع "الغلابى" عبر توزيع المساعدات ورفع شعار "الإسلام هو الحل".
والنتيجة، ارتباك محسوب عليهم، يفاقمه الغليان والاحتقان الداخلي.
أمن البلاد واستقرارها على المحك. كذلك تجربة الانتقال صوب الديمقراطية التي تطلّع إليها العديد من سعاة الحرية في دول عربية عدّة دخلتها رياح التغيير، أو وقفت على أبوابها، أو صُدّت خلال العامين الماضيين.
في مستهل آذار (مارس) الماضي، وعد وزير الداخلية بإعادة الأمن والاستقرار خلال شهر. وبعدها بأيام، تعهد بحماية الإعلاميين في مدينة الإنتاج الإعلامي. وقبلها تعهد بتهيئة الظروف الأمنية للاستثمار. لكن الجميع ما يزالون في الانتظار، بينما يتسلل العنف إلى الشارع، وتهب رياح الفتنة الطائفية وسط مخاوف من عودة الجيش للحكم لفترة انتقالية ثانية.
الرئيس مرسي في ورطة مع الجميع؛ يقفز من مشكلة إلى أخرى.
فتح النار على جميع الجبهات: القضاء، وأزمة "النائب العام"، و"المحكمة الدستورية". حرب على مشيخة الأزهر وشيخها أحمد الطيب وتلاميذه. معركة ضد الإعلام الخاص الذي يقف للرئيس "على ركبة ونص"، بحق وبدون حق، وجحافل الصحفيين ومقدمي برامج الحوارات المتلفزة الصاخبة وصحف المعارضة التقليدية وجيش من كتاب الأعمدة السياسية، وأخيرا الإعلامي المثير للجدل باسم يوسف، مقدم "البرنامج" الساخر على فضائية "cbc". أقباط مصر ومسيحيوها يشعرون بالتهديد والاستفزاز والخوف، حالهم حال المستثمرين العرب والأجانب. الحكومة لا تتحرك لمواجهة ثقافة الكراهية والحقد وتكفير الآخر وحرق الكنائس، مع أنها تملك كل الأدوات التنفيذية. حرب على المجتمع المدني، بما فيه منظمات المرأة، المتهم بالعمالة والتآمر والارتباط بجهات خارجية تريد الإضرار بمشروع الإخوان. حرب على مجتمع الفن والأدب والسينما، وعلى السياحة التي كانت تعد رافدا حيويا للخزينة. حرب على المعارضة بمختلف تلاوينها؛ بدءا ببقايا النظام السابق، مرورا بالتيارات الناصرية والقومية واليسارية، وانتهاء بجبهة الإنقاذ الوطني. طلاق معلن مع السلفية، مثل حزب النور الذي شق تحالفه مع الإخوان. الشعب يتأهب لوجبة إجراءات تقشف كثمن لقرض صندوق النقد الدولي المنشود، لإنقاذ الخزينة وعجزها المقلق.
لكي ينجح أي حاكم، عليه إجادة التعامل مع المعارضة، بما في ذلك إبرام صفقات على شاكلة "فرق تسد"، أو كسب رضا الشارع عبر تحقيق تنمية ونهضة اقتصادية واجتماعية، كما فعل رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، ما غطّى على عيوبه الأخرى، وتحديدا ما يتعلق بملف تراجع الحرّيات الإعلامية والسياسية.
مرسي لم يفلح في رسم خطّة انعاش اقتصادي، أو تنمية سياسية مبرمجة. خسر الغالبية باستثناء انصاره.
لكن مشكلة مصر اليوم ليست مع الإخوان، بقدر ما هي مع غياب بديل جاهز ومقنع يقود المعارضة.
فجبهة الإنقاذ -حال غيرها من الأحزاب العلمانية والوسطية- تقوم على شخصيات ذات طابع نجومي؛ تسمعها عبر الفضائيات، لكن لا ترى لها تأثيرا في الشارع. معارضة يلمس "الغلابى" أنها مهتمة بتحقيق مكاسب شخصية على حساب بناء الوطن، وموروثه الثقافي، ومجتمعه المحافظ دينيا.
بعد كل ذلك، هل من أمل في كسر ثنائية "الإخوان والفلول"، وسن خيار ثالث قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية؟ كلا، ليس في المستقبل القريب.
فالجميع (وليس الإخوان فقط) بحاجة إلى مزيد من التدريب على فن إدارة الدولة والشأن العام. كما أن المعارضة لا تمتلك هي الأخرى أي تصورات اقتصادية للتعامل مع الأزمة الطاحنة، إلا عبر فرض خطة تقشف ستمس الفقراء والطبقة الوسطى.
لكن صبر النخب بدأ بالنفاد.
الإخوان خسروا مقعد نقيب الصحفيين في انتخابات التجديد النصفي، لصالح شخصية محسوبة على التيار الناصري ومدعومة من جبهة الإنقاذ. تلقوا ضربة أوجع في نقابة الصيادلة؛ إذ حصلوا على مقعدين في انتخابات التجديد النصفي، بعد 18 عاما من سيطرتهم عليها. ونجحت عشر شخصيات، بمن فيهم مهنيون مستقلون أو محسوبون على القوى والحركات السياسية المدنية، مثل "حزب الدستور"، و"المصريين الأحرار"، و"المصري الديمقراطي"، و"مصر القوية".
وقبلها كانت نتائج انتخابات مجالس الطلبة في جامعات مصر، حيث خسروا بعضا من معاقل نفوذهم في الصروح الأكاديمية في المدن الكبرى، واحتفظوا بنفوذهم في مناطق الصعيد المحافظ وغيرها.
ويتساءل عديدون ما إذا كانت بروفة الانتخابات النقابية والجامعية مؤشرا على ما سيحققه الإخوان في الانتخابات التشريعية والرئاسية؟
ستتراجع بالتأكيد شعبية الإخوان في الانتخابات المقبلة، بحسب توقعات ساسة وحزبيين ومراقبين، لتصل إلى 40 %. لكنهم لن يُهزموا، لغياب البديل المقنع، إضافة إلى ثنائية الأمية والفقر. والكرة الآن في ملعب جبهة الإنقاذ والأحزاب الديمقراطية والعلمانية لتبني برامج عملية، قادرة على استقطاب غير الراضين عن الوضع الحالي. عليهم تحدي بناء قدراتهم التنظيمية، واكتساب القدرة لتأطير الشارع وليس النخب.
لكن الأمل ما يزال قائما. فالإخوان تكشّفوا، ولن يعودوا قادرين على لعب دور الضحية. والقوى الأخرى تتهيأ لدخول المعادلة، والمهم أن تتعلم من إخفاقاتها العديدة؛ ففي الاتحاد قوة. في المحصلة، لن يستطيع أي فصيل حكم مصر وحده. وتجربة الانتقال صوب الديمقراطية تتطلب جيلا أو جيلين قبل أن تتضح معالمها، وتستقر المجتمعات بعد الثورات.
وشعب مصر اليوم ليس كما كان زمن مبارك، بعد أن انكسرت عقدة الخوف إلى الأبد.

rana.sabbagh@alghad.jo

التعليق